مملكة البنغال
10 نوفمبر 2008

رواية تصدر عن الدار العربية للعلوم — ناشرون
المؤلف: الصديق والقريب محمد الداوود
لم أعتد قرض الروايات، ربما لأنها لم تستهوني أيام دراستي لها في الجامعة، أو لأنني قارئ كسول. لكنني وُضعت في امتحان صعب: فالكاتب صديق عزيز، وطلبه ليس كطلب أي أحد. ولعل المتتبع الكريم يجد في ما سيأتي دافعا لشراء هذه الرواية أو حتى لقراءة شيء منها، فالكاتب ذو نَفَس لا يُمل وأسلوب مختلف، شيق…
تأتي “مملكة البنغال” تلبس عباءة مختلفة من حيث طرقها لموضوع اجتماعي (العمالة الوافدة) بأسلوب لصوصي ظلامي غريب. عندما انهمكت في قراءة الرواية ذات صباح ممطر لم أتركها إلا بعد إتمامها؛ ربما لأن الرواية قصيرة (95 صفحة)، لكن تدافع الأفكار والمواقف والشخصيات صنع منها فيلما “بوليسيا” مصغرا استغرق ثلاث ساعات من العرض المتواصل. تسارع الأحداث ووفرة التفاصيل هما ما جعلا من محمد -في نظري- كاتبا رائعا يُنظر إليه دائما بكثير من الإعجاب، هذا بالإضافة إلى محافظته الواضحة وسعيه الدائم لتأكيد هذا المعنى في كل فرصة تسنح.
محمد كاتب رائع لكن ربما شغفه بأغاثا كريستي ورواياتها الغامضة واللصوصية جعلته يغرق في كثير من لقطات الرواية في مشاهد لم نألفها إلا في الأفلام الأمريكية… فرئيس العصابة بمكتبه المذهّب وسيجاره الكوبي، والمجرم المقيّد إلى كرسيه في غرفة الاستجواب الغامضة يشيان بالكثير من الاستغراق والابتعاد شيئا ما عن “الواقعية” التي أعلنها محمد منذ أول سطور الرواية. واقعية “التحلية” و”شارع الثلاثين” لم تخففان على ما يبدو من وقع المبنى المهجور في مكان ما من الرياض أو حتى من طوابقه السفلية، وكأن استخبارات السوفييت قد عادت مجددا وطبول حرب باردة جديدة قد دقت للتو!
جانب الافتعال في بعض جوانب الرواية طغى -في نظري- على النظرة الموضوعية للمشكلة “البنغالية”، فإقحام الأطفال في سجن غامض مع رجل اعتقل لأسباب مجهولة حتى ساعة كتابة هذه السطور، بالإضافة إلى مشهد الهروب الكبير الذي يذكرني كثيرا برواية “السجينة” الشهيرة. في واقع الأمر، لا أعتقد أن “بني بنغال” بكل هذا السوء والوحشية! نعم قد يسرقون وقد يثيرون كثيرا من المشاكل، لكنهم ليسوا أكثر من ذلك، ليسوا بكل هذا “الاحتراف” حتى يتم إظهارهم بهذا الشكل المرعب والمنافي للإنسانية.
استعرضتُ “ماجد” كثيرا، وأظنه لم يبتعد عن عقلية البطل الأمريكي الخارق! يفكر بعمق وينفّذ بإتقان، والعدالة تنتصر في النهاية! هذه الصورة النمطية للخيّر في مواجهة الأشرار والمجرمين، أو -بشكل أدق- السعودي في وجه أعداء الوطن هي صورة لا أعتقد أنها أصبحت تلقى رواجا كما كانت من قبل. الشرطة بشر يخطئون ويصيبون، وكذلك المجرمون… أقسى قلوب عتاة الأرض تلين لآيات الله البيّنات التي تهبط لها الصخور القاسية، فكيف الأمر بمسلمين، وإن اختلفت الجنسيات والأعراق؟
تصوير العالم السفلي بدا رائعا جدا في الرواية، فمحمد بارع جدا في التصوير واقتناص التفاصيل الدقيقة وهو لا يتوانى عندما تحين الفرصة. واقعية الرواية تجسدت في حرص محمد الشديد على انتقاء الأماكن والتسميات من الرياض إلى دكا، الشوارع وازدحامها في “البطحاء” وبرج “المملكة” أماكن يمكن أن تزورها في الرياض بعد أن تدخل جولة سريعة في “شارع الثلاثين”. أجواء العصابات وتفكير قادتها برع محمد كثيرا في إدخالنا إليها ودهاليزها التي لا تخلو من الخداع والمناورات في الزوايا الضيقة.
همسة أخيرة: قد تقل 95 صفحة عن الإيفاء بمسارات متعددة كالتي سلكها محمد في الرواية. توظيف الأوراق -في نظري- قد لا يقل أهمية عن تطويع الفكرة لتكون على ورق.
4 تعليقات » كتب
4 تعليقات على “مملكة البنغال”
التعقيب المرجعي | مغذي التعقيبات
صاحب القلم بتاريخ 10 نوفمبر 2008 الساعة 8:30 ص #
أهلاً صديقي
ربما تعد من الموضوعات القلائل التي أقرأها لك في مجال النقد الأدبي
عموماً ، تطرقت لنقاط جميلة جداً وخصوصاً الواقعية التي لا أريد أن أتحدث بتفصيل عنها كي لا نقع في مشكلة أخرى مع محمد
>> مين جاب طاري العلك
محمد مغرم كثيراً بكتابات أغاثا كرستي وليس بها طبعاً ! ، ولكني لا أراه مقلداً ، والمبدع لا يقلد بل يستفيد! وربما تعلم منها أسلوب الإثارة كما نتعلم نحن أسلوب الإنشاء من المعلم .
لغته جميلة خصوصاً فيما يتعلق بالوصف وتناغمها مع الحركة السريعة للنص .
ربما لا يرغب بأن يصنف ككاتب بوليسي ! ولكن من يقرأ له سيعلم بأن مملكة البنغال نجحت في أحداثها البوليسية أكثر من المواقف العاطفية التي يحاول أن يحدثها خصوصاً في صفحاتها الأخيرة التي تراها غالباً في الروايات المصرية وروايات عبير !
لا أرى حرجاً أن يكون كاتباً بوليسياً ناجحاً، ومتمكن من أسلوبه لا يمنعه هذا التمكن من ممارسة الكتابة العاطفية أو الساخرة التي ربما ينجح بها!
لو فكر بشيء من الواقعية التي ذكرت لعلم تماماً بأنها لا تتعارض مع الخيال خصوصاً حينما يحاول رسم صورة منطقية، حينما يتكلم عن التحلية وطريق الملك فهد أتخيلهما تماماً كما أشاهدهما كل يوم ، ولكن حينما يتحدث عن البطحاء أتخيلها شارع مظلم به قطرات من ماء السماء وعصابات فاشية تلبس الأسود ومعها سوط !!
أتمنى أن يستفيد محمد من هذه الملاحظات وهو مبدع بحق
وسوف تكون هذه الملاحظات مفيدة له في كتاباته القادمة
شكراً لك يا ليزر على هذه الجولة الماتعة
تحياتي
صاحب
محمد الداود بتاريخ 12 نوفمبر 2008 الساعة 10:46 م #
أهلا متعب
إنتظرت هذه التدوية طويلاً .. .
قراءة جميلة، ونقد رائع .. (طبعته واحتفظته به :)) << مازال يفضل الورق ورائحته
أعجبني ماقلته كله .. وشدني اكثر ماذكرت عن كون الأمر يتعلق بمسلمين .. وفي هذا اسلم لك ياصديقي .. فمن أكثر الأشياء التي انتقد بها نفسي في هذه الرواية هو كونها تتحدث عن الإخوة البنغال وهم شعب يغلب عليهم الإسلام،
ولعل هذا جعلني لا أفضل هذه الرواية كثيرًا .. وأيضًا عله من أحد أسباب التي جعلت الرواية في أقل من مائة صفحة .. !!
أشكرك ياصديقي على كلماتك الجميلة .. وأسلوبك الرائع ..
وأشكر لصاحبي .. مداخلته الجميلة ..
..
والله يذكر أيام العلك بالخير
دمت بخير
tina بتاريخ 18 نوفمبر 2008 الساعة 12:59 م #
اهنيك و احسدك في نفس الوقت علي هذا الاسلوب الجميل و الراقي في الكتابة
ليزر بتاريخ 24 نوفمبر 2008 الساعة 2:05 م #
– عزيزي صاحب القلم أهلا بهذا التواجد، أما عن النقد الأدبي فلن أطاول أهله كثيرا، أعدك بذلك!
لم أقل بأن محمدا مقلد، لكنه متأثر وبينهما مساحات شاسعة -رغم أن الرجل نفى تأثره بها في الرواية، فهي كاتبة لصوصية والقصة (مدار حديثنا) حركية تسارعية-.
بالنسبة للفصل الأخير من الرواية فأعتقد أنه نجح بشكل كبير في تطوير الجانب العاطفي من الرواية وتقريبها إلى الواقعية أكثر بعد أن شط بعيدا عن هذا الهدف في الفصول التي سبقت هذا الفصل!
شكرا على تحفظك الواضح
لا أريد لجدلكما أن ينتقل إلى هنا أيضا…
– العزيز محمد الداوود مرحبا بهذا التواجد الذي انتظرته طويلا أيضا، وسعيد أنه نال إعجابك و(طباعتك)، رغم أني قسوت عليك كثيرا ربما!
أعلم أنك قرأت عن بنغلاديش وسكانها وحتى شوارعها قبل أن تشرع في كتابة الرواية، لكن ألم يدر بخلدك أن المشكلة فينا نحن وليست فيهم؟ ألسنا متسيبين حتى النخاع حين يتعلق الأمر بالرقابة عليهم وحماية أنفسنا منهم؟ كل هذه العصابات التي ذكرت لم تهبط من القمر قطعا بل لهم كفلاء رموهم إلى الشارع طلبا لـ (المقسوم) آخر كل شهر، ألا يتحمل هؤلاء جزءا من المسؤولية؟
إعجابك مصدر فخري واعتزازي، وأجمل الأمنيات لروايتك القادمة بالتوفيق والسداد إن شاء الله.
شكرا لك.
– أهلا بكِ tina، أشكر لك هذه المجاملة وسعيد بتواجدك واهتمامك.
شكرا لكِ.