كأني…
28 يوليو 2008
يحكى في قديم الزمان أن شيخا من اسطنبول اسمه “خير الدين كجي أفندي” كان فقيرا في المال، لكنه كان من أغنى الناس نفسا. كان هذا الرجل يؤثر على نفسه المال حين تتوق نفسه للأكل؛ فالأكل عنده من الكماليات ليس إلا… لذا كان إذا اشتم رائحة الطعام أخرج ثمن الطعام من جيبه وردد في نفسه “sanki yedim” أو بالعربية “كأني أكلت” ووضع المبلغ في جيبه الآخر إشارة إلى أنه قد صرف المبلغ! كان هذا الرجل يجمع أموال “الطعام” في صندوق أعده لهذا الغرض، وبقي على هذه الحال حتى جمع ما شاء الله له أن يجمع، وبنى مسجدا بهذا المال يرتفع أذانه كل يوم خمس مرات في منطقة “فاتح” باسطنبول، سماه الناس بعد ذلك باسمه “Sanki Yedim Camii” لما عرفوا من حاله.
أقول هذا بينما نغرق إلى آذاننا بالكماليات… الطعام بالتأكيد من الأساسيات لكنه كان كل ما يملك هذا الفقير من أجل أن يتخلى عنه. أقول هذا بعد أن وصلتني رسالة من شركة المحمول التي أشترك فيها “تهنئني” بتجاوزي خمسة آلاف نقطة منذ انضمامي إليها قبل ما يربو على العام (19/6/2007) بما يعني أنني أستهلك في المعدل 400 ريال شهريا، في مكالمات أجزم أن أكثر من نصفها بدون أي أهمية و (لن تخرب الدنيا) إذا لم أجر كثيرا من تلك الاتصالات المتبقية في النصف الآخر!
قفز إلى ذهني هذا الرجل وقصته الماثلة، فحزنت كثيرا… حين فرطنا حيث أحسن هو، وكيف أنه بنى لنفسه ما يلقى الله به بعد موته، وكيف تأتيه الأجور حين ننفق الأموال الكثيرة على السلع التكميلية بينما لا يجد من هم في مجتمعنا وبين ظهرانينا ما يبلون به ريقهم وأطفالهم. فكرت لو أنني كففت عن الاتصالات العبثية (وما أكثرها) وتبرعت بقيمتها على نية “كأني اتصلت”، كم جائعا سيأكل وكم ثوبا جديدا سيشترى وكم عائلة ستكف ذل السؤال والحاجة؟ كيف لو أصبح هذا مشروعا في صيغة ما وأصبح يدر الملايين على فقراء المسلمين؟ كم ستفرح أنفس بعد جدب وطول معاناة.
ليست كمالياتنا مقصورة على الاتصالات الهاتفية، بل هناك الكثير الكثير، مما قد يشترى ولا يؤكل، ولا يلبس، ولا يستعمل… ابدأ بسؤال نفسك قبل أن تدفع: هل يمكن أن أقول “كأني دفعت”؟
4 تعليقات » تأملات
4 تعليقات على “كأني…”
التعقيب المرجعي | مغذي التعقيبات
سلامة بتاريخ 28 يوليو 2008 الساعة 8:28 م #
موضوع جميل جداً ..
وأمر الصدقة ، وصل لدينا بضغطة أزرار ، كما في خدمة تبرع بعشرة ريالات لمرضى الفشل الكلوي ،، بمجرد إرسال رسالة .. إلى رقم معين .. أصبحت الصدقة عن طريق التقنية ولله الحمد لكن السؤال : من الذي يبادر ؟!
who lives in dream بتاريخ 30 يوليو 2008 الساعة 1:49 ص #
ياأخي الكماليات ألجأت أناسا للدين
الكماليات جعلت نصف شعوب العالم على خط الفقر
الكماليات مازالت وماتزال تشعر الناس بالسخط لرزقهم
إن أمسكوا عنها يكفيهم من الراحة أن يحصلوا على حاجتهم وبدون تفكير في ماسواها فكيف إذا فاضت جيوبهم ليتصدقوا بها على فقراء البلد
أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة صياغة مفهوم الكماليات والضروريات
والأهم أن نتخلص من كمية الدعايات المهولة التي جعلت أغلب الأفراد يركضون وراء التفاهات ونسوا بأن هناك من هو أحوج بالمال المصروف منهم ونسوا أيضا أن هناك من يسأل ( عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)
adham بتاريخ 31 يوليو 2008 الساعة 12:22 م #
كلامك منطقي وصحيح 100 % , أعجبتني القصة ..
شكراً ياعيني …
أدهم
.
ليزر » Blog Action Day 2008 - الفقر بتاريخ 15 أكتوبر 2008 الساعة 7:18 م #
[...] مضى في تدوينة (نعم، أنا متعاطف) كما كتبت عنه أيضا في (كأني…) لكن الفقر اليوم مختلف. يأتي الاختلاف هنا من حيث أن [...]