جرائم ضد الإنسانية

21 يوليو 2008

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم” [رواه مسلم]، وأستحضر دائما قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- “قيمة كل امرئ ما يحسن”.

ما دخل هذا بـ “الجرائم ضد الإنسانية” وقضية دارفور؟ الجواب: ليس لهذه شأن في تلك.

عندما تذكر صفة “جرائم ضد الإنسانية” فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو العنف ضد الإنسان والتمييز العنصري والتهجير العرقي، وهي جرائم حقيقية، لكن هل هي كل شيء؟ هل الإنسانية متمثلة في شعب دون شعب وإنسان دون إنسان؟ ألست إنسانا ترتكب ضده جرائم بحق إنسانيته؟

المشهد: طلاب في قاعة جامعية وأستاذ يصنف نفسه بـ “ليبرالي”، المحاضرة عن النقد الأدبي والموضوع عن الحركة النسوية (Feminism). يبدأ الأستاذ محاضرته بنقد لاذع للأوضاع الحالية في البلاد، ويتهم أناسا لم يسمّهم بأنهم يزينون “العبودية” في عيون النساء وأن النساء مستمتعات بهذه العبودية وفق هذه الرؤية. يتغير الحديث فجأة ليصبح عن مفهوم العبودية والرق في التاريخ الإسلامي، ويصف الرق بأنه عمل لا إنساني وغير حضاري، يرفع أحد الطلاب يده ليبدي وجهة نظره بأن الرق موضوع كبير يندرج تحته أحكام فقهية كثيرة في الإسلام، وأنه ليس من المنطقي الحكم الشمولي هنا وإلغاء كل هذا “بجرة قلم”. لم يعجب الأستاذ هذا الكلام على ما يبدو فسأل الطالب: “هل تقر العبودية إذن وتدافع عنها؟” أجاب الطالب بأنه من الإجحاف النظر إلى الموضوع من هذه الرؤية الضيقة وتبسيطها بهذا الشكل، لينتهي الحديث بأمر من الأستاذ وأنه “من الجيد أن تكون في موضع قوة لتنهي النقاش بهذا الشكل!”

الرؤى هنا مختلفة… إذا كان الأستاذ يقول عن نفسه بأنه “ليبرالي” أي أنه ينظر للأمور بانفتاح مطلق فلماذا إذن يشن هذه الحملة ضدي ويعارض وجهة نظري فقط لأنني أدافع عن ديني “مختارا” وألتزم أن يكون مظهري موازيا لديني الذي أعتقده؟ أين حرية المعتقد عندما يكون الحديث مع شخص يحاول الالتزام بالتعاليم الإسلامية ويدافع عن ما يعتقده؟ أليس من الإنسانية أن تحترم حقي في التعبير عن رأيي واختيار المظهر الذي أريد أن أبدو عليه؟

مشهد آخر: إعلان في جريدة. وظائف شاغرة، الشروط: المؤهل، الخبرة، المظهر الحسن! إذا كان بإمكاني إحضار شهادات عن مؤهلاتي وخبراتي، فمن أين لي شهادات بـ “حسن مظهري”؟ أين تكافؤ الفرص والمساواة والعدل هنا؟ ألا تكفي إنسانيتي لأكون أجمل ما خلق الله “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم” [سورة التين-4] أم أن المعايير مختلفة هنا؟ هل قيمتي في العمل هي جمال مظهري الذي هو منة من الله وحده، أم قيمتي هي ما أحسن أن أعمل؟ هل جمال المظهر له علاقة (ما) بالعطاء الوظيفي؟

هل ما تعانيه الشعوب من ويلات الحروب هو (فقط) ما يمكن أن تكون عليه الجرائم، ضد الإنسانية؟

5 تعليقات » تأملات

5 تعليقات على “جرائم ضد الإنسانية”

  1. iAbdullah بتاريخ 22 يوليو 2008 الساعة 7:13 م #

    كلام جميل جدا :)

    لكن إلا ترى انك ايضا ناقضت نفسك !

    حين خالف الدكتور او المحاضر رأي الطالب ، أخرجته أنت من الدفاع عن دينه :)

    أخذت رأيه ورميت به عرض الحائط .. وصنفته انه رأي مخالف للدين :)

    الدين أوسع مما تظن و لم يأتي الإسلام ليمنع العقل والنقاش :)

    تحياتي لك ..

  2. ليزر بتاريخ 23 يوليو 2008 الساعة 11:53 ص #

    أهلا عبدالله،

    ليس هنا أي مخالفة، طرح الأستاذ قضية وطرح الطالب رأيه فيها، وتم إنهاء النقاش بالطريقة التي ذكرت في المقال.

    أوافقك الرأي أن الدين لا ينافي العقل والنقاش، لكن انظر هنا من يرفض النقاش!

    شكرا لك.

  3. عبدالله بتاريخ 24 يوليو 2008 الساعة 8:09 م #

    السلام عليكم،

    تعليق على المشهد الثاني: حيبنا، لا تنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اطلبوا حوائجكم عند حسان الوجوه فإن قضى حاجتك قضاها بوجه طليق وإن ردك ردك بوجه طليق…) ويا أخي أوجد لأخيك عذراً مادمت موقناً بأن رزقك لن يفوت!

  4. Turki Al- Fassam بتاريخ 26 يوليو 2008 الساعة 11:06 ص #

    أخي الكريم، أضف مشهداً إلى مشاهدك..

    عندنا في الكويت اقترح بعض النواب عمل لجنة للظواهر السلبية في البلد ومحاربتها، وتم الموافقة عليها بإجماع النواب إلا واحداً شذ فيما بعد وهو ليبرالي متشدّد!، والآن التيار الليبرالي يشن هجمات عنيفة على هذه اللجنة التي اتُفق عليها بأغلبية نيابية، دون احترام لحقوقهم وحرياتهم، وحرية شعب بأكمله، فأين الحرية التي يصدحون بها، وأين احترام حقوق الآخرين؟

    هذه المشاهد ما هي إلا دليل جلي واضح على زيف المبادئ المزعومة التي يدّعيها التيار الليبرالي.

    لا شك أن الجرائم ضد الإنسانية لا تقتصر على الحروب والإغارات، بل هي بنظري أحد أنواعها، وإلا فإن الجرائم ضد الإنسانية متنوعة منها الجرائم الفكرية، والجرائم الإجتماعية، والجرائم السياسية، ولو وقفت على كل واحدة منها لوجدت المشاهد والأمثلة مملوءة بها في وطننا العربي.

    والله المستعان

  5. عونيـــ بتاريخ 27 يوليو 2008 الساعة 1:05 ص #

    أخ ليزر أتفق معك في كل ما قلت و يعجبني فيك طرحك للأمور بطريقة عقلانية منطقية.

    ما ذكرته من تصرفات حتما ضد الإنسانية.

    أما الحركة النسوية، فيؤسفني أننا دائما ننظر للحركات في الغرب من منطلق إعجاب مطلق. إذ أنه مذكور في الرابط نفسه الذي وضعته شهادات كثيرة تظهر كما شذت تلك الحركة و كم ناقضت نفسها بنفسها عندما شرعت للمرأة حرية الإتجار بجسدها كما يحلو لها.

    ربما هذا موضوع نقاش جميل في محاضرة جامعية!

    إذا لماذا دائما الإسلام ناقص بينما كل ما هو غربي كامل و بعيد عن الشبهات؟

التعقيب المرجعي | مغذي التعقيبات

اترك تعليقا