وسطية الإسلام
2 أغسطس 2008
في أحد التعليقات على إحدى التدوينات هنا أشار الأخ عوني إلى برنامج “الوسطية” للدكتور طارق السويدان، وهو -حسب إحدى حلقاته التي شاهدت- برنامج يعرض لبعض المشكلات الشرعية، أو قل بعض الشبهات، بأسلوب نقاش بين فريقين يتكون كل منهما من شخصين، وكل من الفريقين يتبنى وجهة نظر معاكسة للآخر، وذلك في قاعة تضم بعض الجمهور… لن أتحفظ هنا على البرنامج أو على القناة الراعية، ولا على تبسيط القضايا الإسلامية بهذا الشكل، أو حتى على الجمهور المختلط… كل هذا يحتاج إلى تدوينة (تدوينات) أخرى، ما سأتحدث عنه هنا هو مفهوم “الوسطية”.
تُثار دائما كلمة “الوسطية” و”سماحة الإسلام” في السنوات الأخيرة مقارنة مع مصطلحات أخرى كـ “التطرف” و”الإرهاب”، وبما أنني مسلم عربي أقرأ القرآن والسنة، وأعرف الآية الكريمة “وكذلك جعلناكم أمة وسطا” [البقرة 143] التي استخرج منها هذا المصطلح فأجد أن المعنى قد حُرف عن مساره. فبينما تبين الآية الكريمة وسطية الإسلام مقارنة مع غيره في مسائل مثل القدر (بين الجبرية والقدرية)، والإيمان (بين المرجئة والخوارج) وغيرهما من المسائل في مجالات كثيرة توسط فيها الإسلام حين ضل آخرون. كل هذا لا غبار عليه وليس لي عليه أي تعليق.
ما أحببت الإشارة إليه هو المفهوم الذي يطلقه كثيرون بمسمى “الوسطية”، وهو ما أسميه بـ “إسلام الوسطية” وليس “وسطية الإسلام”، بمعنى أن “الوسطية” أصبحت تيارا إسلاميا بعد أن كانت وصفا للإسلام ذاته. “الوسطية” اليوم أصبحت توسطا في الدين ذاته بإسقاط بعض التكاليف وتمييع بعض الأحكام وتكييفها ضمن منظومة معينة، من ضمن ذلك إسقاط الجهاد في سبيل الله الذي جاء في أكثر من 80 آية في القرآن والقول بأن الجهاد في الإسلام إنما كان “دفاعا عن النفس” وأن الإسلام لم ينتشر بحد السيف بل انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة، و”جادلهم بالتي هي أحسن” [النحل 125] كما هو حالهم مع أحكام شرعية ركينة كالولاء والبراء، إلخ…
لا غبار على أن الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، وأن الإقناع الذي حباه الله لدين الفطرة هو مصدر أساس لانتشار هذا الدين، لكن هذا لا يتنافى مع فكرة التوسع الجغرافي للإسلام وللدعوة إلى الله بالجهاد في سبيله. لا مشكلة أن الإسلام قد انتشر بحد السيف، لكن السؤال إلى أين كان يوجه حد السيف؟ هل وجه المسلمون سيوفهم إلى صدور الأطفال والنساء والشيوخ؟ هل وجهوها إلى البسطاء؟ هل وجهوها إلى العُبّاد وأصحاب الصوامع (من يختلفون معهم فكريا)؟ هل حرقوا الأخضر واليابس ودكوا البيوت على ساكنيها؟
كانت القوة توجّه ضد الأنظمة السياسية المعادية للإسلام، والتي تمنع عن الناس الدعوة وتضطهد من يُسْلِم عندها. لذا جاء الجهاد كتحرير للناس عن هؤلاء الفاسدين، وإنفاذا لسبيل الدعوة أن يراها الناس، وحينها تكون لهم حرية الاختيار، دون تأثير من زعمائهم. كان الجهاد أيضا دفاعا عن حياض الإسلام أن ينتهكها أحد، ودفاعا عن دولة الإسلام أن تمتد لها أيدي الأعداء، كما هو الحال في غزوة الأحزاب مثلا.
أما عن الولاء والبراء، فلعل من أقله حذف كلمة (الكافر، الكفار، الكافرين) من مصطلحاتهم، واستبدالها بمصطلحات “أكثر نعومة” متناسين في هذا أن الله سبحانه وتعالى قد ضمّن هذه الكلمة في محكم كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. من ضمن ذلك أيضا مؤتمرات ما يسمى بـ “حوار الحضارات” أو “حوار الأديان” والحلقة المفرغة التي يجرون فيها، متناسين الآية الكريمة “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير” [البقرة 120].
أجمِل فأقول بأن لا وسطية في الإسلام… بل القرآن والسنة، فما كان معه النص ذهبنا إليه، وما حرمه تركناه رغبة في ما عند الله. أما “التطرف” فهو مصطلح مصطنع، والصحيح أن نعرض ما يجيء به أي أحد على ما ورد في القرآن والسنة، فإن وافقها فنحن مع القرآن والسنة، وإن خالفها، فأمر ربنا مقدم على أمر أي أحد.
3 تعليقات على “وسطية الإسلام”
التعقيب المرجعي | مغذي التعقيبات
عونيـــ بتاريخ 2 أغسطس 2008 الساعة 6:38 م #
السلام عليكم أخي العزيز. أعتقد أن ما أنهيت به حديثك هو بيت القصيد أو مربط الفرس الذي - و الله أعلم - أعتقد أن جميع المسلمين يتفقون عليه. و لقد إتفق علماءنا في القدم على أن القرآن و السنة هما مصدرا التشريع الوحيدين في الإسلام ثم يأتي بعدها أمور أخرى كالإجماع و الرأي و غيرهما من الأمور .. و رغم ذلك كان دائما هناك خلاف في الرأي حول القضايا الفرعية من الدين.
أما بالنسبة للمسلمات، كالصلاة و الجهاد و ما شابه فالجميع يتفق عليها.
يجب أخي أن نعترف أن هناك أكثر من إسلام في عالمنا اليوم. هناك إسلام (كما يسمونه هم) يقتل الأطفال و النساء و الشيوخ و يهدم البيوت. هذا (الإسلام) لا يمثل الغالبية العظمى من المسلمين، لذلك وجب أن يميز البعض نفسه عنهم فيقول نحن إسلام الوسط (أو وسط الإسلام، لا فرق). و ليس العيب أن نعترف أن بعض المسلمين إنحرفوا كثيرا في هذا الصدد.
سأكتفي بمثل بسيط: فتح الإسلام، و هي حركة ظهرت لنا في لبنان العام الماضي، فراحت تهدم البيوت و تقتل النساء و الشيوخ و الأطفال من أبناء المسلمين، و ذلك بإسم .. لا أدري بإسم من و لا في سبيل من. كل ما أعترفه أن شباب مسلم و نساء و أطفال ذُبحوا بيد هؤلاء القتلة المجرمين. كل ما أعرفه أنهم دخلاء على بلدنا.
فهل هذا من القرآن و السنة؟
أشكرك أخي على التطرق لهذا الموضوع الحساس، و أعتقد أننا يجب أن نكون جريئين بما فيه الكفاية لكي ننقد أنفسنا، فالنقد و الإعتراف بالخطيئة هما سبيل الصلاح.
في أمان الله ..
سلامة بتاريخ 2 أغسطس 2008 الساعة 7:33 م #
آآآآه ماأكثر الأحزاب هذا اليوم ، كل يوم يخرج شخص بفكر جديد ، ويُنّظر له ، لا أقصد برنامج الوسطية، بل الجميع ..
نحن مسلمون على منهج أهل السنة والجماعة ، وما قلت آخي ليزر : ” لا وسطية في الإسلام، بل القرآن والسنة، فما كان معه النص ذهبنا إليه، وما حرمه تركناه رغبة في ما عند الله ” عين الصواب ..
ينبغي أن نكون تبّاعين للنصوص الشرعية ، وألا نعبد الله بما نشتهي ، للآسف البعص يقدم خيار الشهوة على خيار المصلحة .. والمفروض العكس ..
من كانت نظرته لهذا الدين العظيم ، نظرة إقليمية على العالم العربي ، تجده همه الأول والأخير هو : ….. إلخ
Turki Al- Fassam بتاريخ 18 أغسطس 2008 الساعة 2:24 ص #
يا أخي الكريم أيْ وسطية؟
دعاة الوسطية هم دعاة الحزبية، هذا موضوع مفروغ منه، فالوسطية ماهي إلا كقطعة الحلوى التي يحوم حولها الذباب!
الوسطية لفظ نتفق عليه جميعاً ولكننا نختلف في مفهومه، فهو عند الشيعة ليس كما هو عندنا نحن أهل السنة، وإلا لما أعلن الخميني قيام دولة الفقيه؟!
دع عنك مؤتمر الوسطية أو حوار التقارب بين الأديان، كلها محاولات كاذبة خادعة واضح زيفها وجليْ زيغها.