بيت بلا تلفاز
7 يونيو 2008
منذ أن وعيت هذه الدنيا وهذا التلفاز يطاردني في كل مكان، بين الرسوم المتحركة في مراحل الصغر، إلى الأخبار والتحليلات السياسية والبرامج الوثائقية حاليا. صخب لا ينقطع وآلة لا تتوقف، برامج جديدة كل يوم وإعلانات غريبة، وأمور كثيرة لا تذكر.
عندما كنا نذهب لزيارة جدتي -رحمها الله- وأخوالي، كنت أستغرب من قدرتهم على التكيف والتعايش مع بيئة بلا تلفاز! كيف يعيشون بلا “نحّول” و”حكايات السنافر” بالإضافة إلى ما لذ وطاب من القصص المصوّرة؟ أسئلة كثيرة كانت تدور بمخيلتي وكنت فعلا أعيش حياة بلا معنى عندما يكون اضطراري للذهاب إليهم وإمضاء فترة العصر هناك، كان منظر التلفاز الكبير يشعرني بأمان غريب، رغم أن ما يعنيني منه هو فترة العصر (فترة الأطفال) فقط.
كبرنا وكبرت أحلامنا، ومرت فترة الصبا ذكريات جميلة نحنّ إليها كلما ألمّت بنا الحياة، وكبر معنا هذا التلفاز. لا أريد أن أصف ما يصلنا به هذا التلفاز من غثاء وأمور كثيرة تأخذ منا ولا تضيف إلينا، تأخذ من وقتنا - عمرنا، لكنها لا تعطينا إلا أقل القليل من المعلومة والكثير الكثير من الإعلانات والمسلسلات والبرامج الترفيهية! أصبحت حياتنا نمطا رتيبا لا ينتهي من البرامج التي ننتظرها دائما لتقدم لنا نفس الكلام، نفس الأشخاص، نفس الأفكار…
التلفاز، باختصار، نظام ديكتاتوري يدعو إلى نشر الديموقراطية! نظام، تكون فيه أنت المستمع الصامت، بينما غيرك هو من يحدد لك، ماذا تسمع، كيف تفكر وكيف تبني مواقفك. حتى لو تجاوزت حدودك يوما، واتصلت ببرنامجك المفضل، فنغمة (مشغول) ستكون الإجابة الدائمة! وإن حالفك التوفيق، وكنت من القلائل الذين أتيح لهم الخط، فستبقى منتظرا لوقت طويل، والمستفيد في هذا -طبعا- هي فاتورة الهاتف الباهضة، وسيقابلك المذيع بالترحاب ثم يتفاجأ المذيع والمشاهدون بانقطاع الخط الذي لا ينقطع إلا هنا، أو بعد جملة أو اثنتين!
المسألة في التلفاز مسألة عرض وطلب، أما العارض فمعروف وهو المحطة، والطالب لن يكون أنت بالطبع، بل هو المعلن. لن يكون عليك الكثير لتفعله، فقط نريد منك مزيدا من الوقت، حتى نكسب المزيد من الأموال. وبما أنك دائما تريد الأشياء بالمجان، فهذا لم يعد مجديا، والمحطة تتجه للتشفير…
لنتوقف هنا قليلا ونسأل أنفسنا، ماذا خسرنا وماذا ربحنا؟ كم كتابا قرأنا وكم حرفة تعلمنا؟ إذا كان التلفاز يأخذ من أوقاتنا ثلاث ساعات يوميا في المعدل، كم كتابا سنقرأ لو وفرنا للقراءة ثلاث ساعات يوميا؟
ما الذي سأخسره من عدم وجود التلفاز، وما الذي سأكسب؟ سأخسر الكثير من الإعلانات، الكثير من المسلسلات الهابطة وبرامج الطبخ. سأخسر الأخبار التي لا أساهم في محتواها وبرامج التحليل السياسي المؤدلجة والموجهة، سأخسر الكثير من المباريات المهمة والكثير من النجوم والمشاهير… ماذا سأخسر؟ سأكسب مزيدا من الهدوء، مزيدا من الوقت لأطفالي ولمنزلي، مزيدا من الوقت للاطلاع على الكتب المهمة وإنجاز الكثير الكثير من الأعمال. لن أعود مهمشا بعد اليوم، سيكون لي أن أغيّر العالم بدل أن أشاهده يتغيّر إن أنا بنيت نفسي وأطفالي على النحو الذي يرضي الله عني.
هناك الكثير في هذه الحياة، والتلفاز -قطعا- ليس أحدها.
4 تعليقات » تأملات
4 تعليقات على “بيت بلا تلفاز”
التعقيب المرجعي | مغذي التعقيبات
Turki Al- Fassam بتاريخ 27 يونيو 2008 الساعة 6:36 م #
رغم علمي بقدم هذه التدوينة ولكن أعذرني، أحببت التجاوب معها لمضمونها.
فعلاً ما المحصول الذي اخرج منه من جرّاء مشاهدة التلفاز لثلاث ساعات تزيد وتنقص في اليوم؟ لو انقطعنا عنه ما الكارثة الكونية التي ستحصل؟ للأسف وصلنا إلى مرحلة إدمان غريب جداً لدرجة أن في بيتنا لا نستطيع أن نترك التلفاز مغلقاً حتى لو لم يكن هناك من يشاهده، مجرّد صوت يصدح في الخلف لا تدري ماذا يقول يشعرك أن هناك تلفازاً!
لطالما أردت أن أخوض تجارب من هذا النوع أعني بترك استخدام التلفاز اسبوعاً أو الهاتف النقال أو الحاسوب، أعني هذه الأجهزة التي يرتبط بها الإدمان ارتباطاً وثيقاً.
رغم أني لست من المدمنين أو الملازمين لمشاهدة التلفاز، ولكني لا أستطيع أن أتصوّر يوماً يمر علي دون أن أرى تلفازاً يعمل!
وللأسف سياسة التخدير هذه هي من أضعفنا اليوم، أعني بالبقاء صامتاً وعدم بذل أيْ مجهود أمام التلفاز مجرّد كل ما عليك أن تبقى ساكناً ترى وتسمع دون تحرّك اللهم إلا طرف العينين وحك الرأس بين فينة وأخرى! هي من العوامل الأساسية في تثبيط الهمم وتقليل الإنتاجية، لأنها تولّد الكسل، فإن نصحته بقراءة كتاب، فلن يستطيع ولن يقبل إذ قراءة الكتاب تتطلّب مجهوداً عقلياً وبدنياً ولا تحصل فيه التسلية كما هي في التلفاز، فما والقراءة ولدي تلفاز؟
للأسف هذا الواقع..
ليزر بتاريخ 28 يونيو 2008 الساعة 1:28 م #
أهلا بك تركي، ويبدو أنك ستصبح أحد أصدقاء هذه المدونة
أعتقد أن الفكرة التي أردتُ طرحها قد وصلت والحمد لله. أشياء كثيرة لم نعد نستطيع الاستغناء عنها، والتلفاز ليس إلا واحدا منها فقط.
في إحدى المرات تذكرت وأنا خارج المدينة أنني نسيت هاتفي النقال فوجدت نفسي في هم عظيم! واعتقدت أنني بدونه سأكون حتما في حاجة إليه. رجعت من سفري القصير وتذكرت كيف كانت أمورنا تُدار بدون هذا الهاتف، فالالتزام بالمواعيد والاستعداد أصبحا شيئا من الماضي بوجود هذا الجهاز، وربما بغيره أيضا.
التلفاز والإنتاجية شيئان لا يجتمعان كما ذكرت أخي الكريم، وباعتقادي أن الكثير ممن يأخذون على الإنسان إمضاء ثلث عمره نائما لا يأخذون في اعتبارهم أن جزءا لا يستهان به من عمره أيضا يذهب في مشاهدة التلفاز، ربما
شكرا لتواجدك مرة أخرى، وأهلا بك صديقا جديدا لهذه المدونة.
عونيــ بتاريخ 27 يوليو 2008 الساعة 1:16 ص #
كلامك أخي صحيح. بالفعل هو جهاز ديكتاتوري. و أريد أيضا أن أسلط الضوء على مسألة أمتعض منها أحيانا، ألا و هي المحاضرات الدينية.
لاحظ مثلا أن معظم البرامج الدينية عبارة عن محاضرات ليس للمشاهد أي رأي فيها لأنه فقط يلعب دور المستمع، في حين أنه تستحضرني صورة الإمام أبو حنيفة و مدرسته في العراق التي بنيت على مبدأ الحوار و التناقش لبلورة أمور الدين.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل كثيرة و السلبيات التي تنتج عن مثل هذه الطرق في طرح المواضيع الفكرية أو الدينية، و لا أريد أن أعمم فقد أجد أحيانا برامج دينية حوارية مفيدة. و أذكر على سبيل المثال لا الحصر برنامج الداعية طارق السويدان “الوسطية” و الذي يشارك فيه الجمهور و مجموعة من العلماء المختصيين بالمواضيع التي يتم مناقشتها. هذا الأسلوب مفيد إلى حد ما و يخرجنا من الرتابة التي تتطغى على معظم البرامج الدينية، للأسف.
تحياتي لك،
في أمان الله..
ليزر » وسطية الإسلام بتاريخ 2 أغسطس 2008 الساعة 2:45 م #
[...] في أحد التعليقات على إحدى التدوينات هنا أشار الأخ عوني إلى برنامج “الوسطية” للدكتور طارق السويدان، وهو -حسب إحدى حلقاته التي شاهدت- برنامج يعرض لبعض المشكلات الشرعية، أو قل بعض الشبهات، بأسلوب نقاش بين فريقين يتكون كل منهما من شخصين، وكل من الفريقين يتبنى وجهة نظر معاكسة للآخر، وذلك في قاعة تضم بعض الجمهور… لن أتحفظ هنا على البرنامج أو على القناة الراعية، ولا على تبسيط القضايا الإسلامية بهذا الشكل، أو حتى على الجمهور المختلط… كل هذا يحتاج إلى تدوينة (تدوينات) أخرى، ما سأتحدث عنه هنا هو مفهوم “الوسطية”. [...]