مسلمٌ في يوم عرفة
7 ديسمبر 2008
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ما أجمل اجتماع المسلمين وما أحلى وما أروع وقوفهم بيض الثياب نير الوجوه ركّعا سجّدا آيبين إلى ربهم يرجون منه الرحمة والعفو والمغفرة، وأن يردهم إلى أهليهم بيضا من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم… في هذا اليوم المشهود يُرى الشيطان كأقل ما يكون صغيرا مدحورا حقيرا لما يرى من تنزيل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-. في هذا اليوم يستهطل الحجاج الدمعات الطاهرات تتسلل من بين ذنوبهم وقلوبهم كأطهر ما تهادى على الصعيد الطاهر توبة ً وإنابة ً رجاءً من الرحيم الغفّار أن يغفر لهم ويتجاوز عنهم.
في مثل هذا اليوم تتجسد أعظم مشاعر الوحدة الإسلامية في اجتماع الحجيج بلباس واحد، غنيهم وفقيرهم، أسودهم وأبيضهم، شرقيهم وغربيهم… كلهم سواسية في حسابات الدنيا كما هم في حساب الآخرة. إنه موعد سنوي لتجديد الروابط التي فرقتها هموم الدنيا وانكفاء كل منا على نفسه، إننا أمة واحدة، تعبد ربا واحدا وتدين بدين واحد. إنه الأصل الذي نتعلمه من يوم عرفة: وحدتنا وقوّتنا هي في اجتماعنا على الأصل الثابت، أما تفرّقنا في مشارب متعددة وطغيان كلًّ منا على بعض فهو طريق الأعداء المختصر لينالوا منا جميعا.
إن أعداء الأمة لم يكونوا لينالوا من قوى المقاومة والجهاد في عالمنا الإسلامي إلا عندما دخلوا من هذا الباب، أعني باب التعصب والفتنة المذهبية، فاجتاحوا أفغانستان وفجروا العراق وفعلوا الأفاعيل ضربا بالمسلمين بعضهم ببعض ليشغلوهم عن عدوهم الأكبر. إن العودة إلى الأصل -دائما- يحقق الاتفاق في أي شيء، كما أن الانسياق خلف الفروع يسبب -دائما أيضا- الاختلاف وعدم الاتفاق. إن أمتنا اليوم هي أحوج ما تكون إلى تلاحم أبنائها وقواها؛ فالعدو جاثم بين ظهرانيها، ومشاكل الاختلاف يجب أن تؤجل إلى حين السلم وترف النقاش، أما حين يهاجم الأصل ويدنس الجوهر، فالفروع لن تكون ذات قيمة حينئذ، بل ستكون مجرد حطب يتدفأ عليه الأعداء ويحمون به ظهورهم!
إن هذه الفُرقة لم تكن فقط بين الفروع المذهبية في الأمة، بل قد تجاوز الأعداء ذلك إلى التفرقة بين أبناء المذهب الواحد والقضية الواحدة، فقسموهم إلى “معتدلين” و”متشددين”. فظهرت علينا كلٌّ من حماس وفتح في فلسطين، والقاعدة والصحوات في العراق، وانشقت قوى الجهاد في الصومال على نفسها حروبا ضروسا لا تبقي ولا تذر، أتت على ما تبقى من قوى وحصدت أرواحا وحفرت جروحا في القلوب غائرة لم تلتئم. إن هذا التقطيع الفروعي هو ما يجب أن ينتبه إليه المسلمون على أنه عدوهم الحقيقي والسلاح الفتاك بيد الأعداء ليقتلوا أبناء الأمة بأيدي بعضهم البعض، بينما ينام الأعداء قريري الأعين في بلاد الإسلام.
عرفة يعلمنا أن نرى الجانب المشرق منا، أن نرى اتفاقنا في الأصول ليعذر بعضنا بعضا في الفروع حين السلم والأمن فكيف بحال الحرب والخوف! عرفة يرينا من أنفسنا جانبها الآخر، أننا أصحاب قلوب صافية وأعين سخية بالدموع حين تكون بين يدي العزيز الغفار، أفلا يكون التراحم بيننا عنوانا لحل مشاكلنا بعيدا عن موائد الأعداء اللئيمة؟
بورك عيدكم.

