أرشيف التصنيف 'فلسفة'

الرأسمالية: الأنفاس الأخيرة

13 أكتوبر 2008

لا أعتقد أن ثمة كلمات تصف ما يجري حاليا على الساحة الدولية والأمريكية تحديدا أفضل من كلمة “منعطف تاريخي”. نعم، فكما أصبح العالم بعد 11 سبتمبر شيئا مختلفا، فهو بلا شك لن يعود كما كان قبل شهر مضى. أكبر اقتصادات العالم أخذ اللفة الأخيرة قبل هاوية لا يُرجح أنه سيعود منها سالما… إنها سنن الله في الأمم، إنها السنن الكونية التي يعجز أحد عن تفسيرها. التصريحات المتطايرة هنا وهناك تُشير إلى أن “عش النسر” قد أخذ يتداعى بالفعل، وأن الرأسمالية الغربية تحتضر الآن في انتظار مولود جديد لا يعلم أحد عنه شيئا سوى أنه “متعدد الرؤوس”، ليس كسابقه الذي كان لفترة لا يستهان بها ذا رأس واحد فقط.

بدأ كل هذا عندما صرح وزير المالية الألماني بالقول أن الولايات المتحدة ستفقد مكانها كقوة عظمى في الاقتصاد العالمي، وأن النظام الاقتصادي العالمي يتجه لاقتصاد متعدد الأقطاب أكثر فأكثر. وقال في تصريح آخر أن الولايات المتحدة قد أعادتنا إلى أجواء 11 سبتمبر 2001 وأن النظام المالي العالمي قد تصدع الآن. فيما رأى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن حالة الاضطراب التي سببها الاقتصاد الأمريكي وضعت نهاية لاقتصاد السوق الحر، وأن النظام الرأسمالي العالمي بحاجة إلى إصلاح داعيا إلى البدء بالتفكير في سياسة نقدية جديدة. يأتي هذا في ظل انتقادات جاءت على لسان رئيس الوزراء الكندي الذي وصف الوضع الاقتصادي الأمريكي بالكارثي مرجعا السبب في ذلك إلى سياسات وصفها بغير المسؤولة. إلى ذلك طالب الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف بإقامة نظام اقتصادي مالي جديد أكثر عدلا يقوم على تعدد الأقطاب وسيادة القانون والأخذ بالمصالح المتبادلة، معتبرا أن عهد هيمنة الاقتصاد الواحد والعملة الواحدة قد ولّى إلى غير رجعة. الأقطاب الأوروبية: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وإنجلترا انفضت عن اجتماع طارئ ناقشت فيه هذه الأزمة، وأظهرت فيه توحدا ما تجاهها، صرح بعده ساركوزي أن العالم بحاجة إلى قمة في نوفمبر لإصلاح النظام المالي “المجنون” والتكاتف من أجل وضع نظام جديد منظم يمنع التجاوزات التي حصلت في أزمة الرهن الأمريكية الأخيرة…

من أجل كل هذا، أقر الكونغرس الأمريكي صرف مبلغ 700 مليار دولار من الاحتياطي الفيدرالي في خطة إنقاذ لكبح جماح هذه الأزمة ومنع تساقط المزيد من الشركات والمصارف في قبضة الإفلاس، بينما ضخت البنوك المركزية في العالم مليارات الدولارات في أسواقها من أجل توفير السيولة. فبعد سقوط شركات مهمة كمصرف Lehman Brothers وشركة AIG كبرى شركات التأمين في العالم جاء هذا التدخل الأمريكي في شؤون وول ستريت فيما يعد معارضة صريحة لأحد أهم قواعد النظام الرأسمالي الذي يقول بعدم تدخل الدولة في أسواق المال، وهو الأمر الذي جعل من وول ستريت فيما مضى أحد أهم قلاع الرأسمالية في العالم. وبحسب مدير معهد التمويل الدولي فإن هذا المبلغ غير كاف لمواجهة الأزمة وأن النظام المالي العالمي يواجه الآن التحديات الأكثر استثنائية خلال العقود الثمانية الماضية، وتابع القول بأن الجهود تُستحث الآن للتنسيق الدولي في مواجهة هذه الأزمة حتى لو تطلب الأمر دفع مبالغ طائلة من الأموال الحكومية تفاديا لركود عالمي محتمل. يأتي هذا فيما يحذر صندوق النقد الدولي فعلا من خطر دخول الولايات المتحدة في تباطؤ اقتصادي حاد، وأظهرت بيانات حكومية أمريكية ارتفاع عدد الأمريكيين العاطلين عن العمل والذين طلبوا إعانات للمرة الأولى في الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى له خلال سبع سنوات، بينما تسبب العجز التجاري الأمريكي في السلع عدا النفط بفقدان العمال الأمريكيين 5.6 مليون وظيفة خلال العام الماضي فقط. وذكر صندوق النقد أيضا أن الاقتصاد الأمريكي قد أظهر كل المؤشرات على أنه يواجه أصعب وأطول أزمة مالية.

ما هي الرأسمالية؟

هي ترجمة للكلمة الإنجليزية Capitalism والتي تُعرّف بأنها نظام اقتصادي تكون فيه أدوات الإنتاج مملوكة للقطاع الخاص ومُسيّرة للأغراض الربحية، بينما تكون الاستثمارات، عمليات الإنتاج والتوزيع، المدخَلات وتسعير السلع والخدمات موجهة ضمن آليات السوق الحر ومنهج العرض والطلب، بعيدا عن الخطط الاقتصادية المركزية (الحكومية). يُنظر إلى الرأسمالية غالبا على أنها تحمي حق الأفراد والشركات في التجارة، الاندماج، توظيف العمال واستعمال الأموال في شراء السلع، الخدمات، الممتلكات والأراضي. أما نظريا، فيُعد الإنتاج والتوزيع في النظام الرأسمالي محكوما بالسوق الحر بعيدا عن تشريعات الدولة، مع حصر مهام الدولة في تعريف وتطبيق الأنظمة الأساسية للسوق مع إمكانية تقديمها لبعض المنافع العامة والبنى التحتية.

الرأسمالية، هي تحرير رأس المال من أي قيود قانونية -أو حتى أخلاقية- تمنعه من العمل والاستثمار، وأن التنافسية بين أصحاب رؤوس الأموال هي ما يؤدي -نظريا- إلى تكوين الأسعار وتوظيف الأيدي العاملة والتطوير في كافة المجالات عبر تنافس رؤوس الأموال هذه على الربح المادي مما يؤدي إلى إنعاش حركة الاقتصاد والتبادل التجاري. واضع هذا النظام هو الاسكتلندي آدم سميث وقد تبلورت النظرية في كتابه “ثروة الأمم” الذي يعد التقعيد الأول لمبادئ الرأسمالية ونظرية السوق الحر. وكان هذا عام 1779 في فجر الثورة الصناعية. بشّر سميث في هذا الكتاب باقتصاد السوق الحر كحل أمثل وبأن الثورة الصناعية ستزيد ثروات الجميع بعدد ساعات عمل أقل وإنهاء لعمل الأطفال وصغار السن.

إلى أين وصلت؟

يكفي أن تعلم أنه في الولايات المتحدة يستأثر 1% من السكان بـ 50% من مكاسب نمو الناتج المحلي بينما تقفز هذه النسبة بتوسيع النطاق دوليا إلى 5% يستأثرون بما يعادل ثروة 80% من بقية العالم. هذه النسب المخيفة وصلت إلى حد أن مدير الشركة في أمريكا يصل مرتبه إلى 500 ضعف أجر الموظف العادي في نفس الشركة. الرأسمالية مسؤولة عن الإضرار باقتصاديات دول بأكملها في أمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، ناهيك عن الثروات الأفريقية وتحويلها إلى مصانعهم ومن ثم إلى جيوبهم. الشره الرأسمالي مسؤول كذلك عن إشعال بعض الحروب للسيطرة على الموارد في العالم وتجويع شعوب أخرى بحثا عن طاقة رخيصة. هي أيضا مسؤولة عن الحقبة الاستعمارية التي عصفت بدول العالم الثالث وأنهكت قواه وقسمت العالم إلى عالم أول وثان وثالث. تدمر الرأسمالية اقتصاد الدول الصغيرة عبر ما يسمى بتحرير الأسواق واتفاقيات التبادل التجاري: ماذا تفعل دولة كالجزائر إذا فتحت اقتصادها لدولة كفرنسا مثلا؟ ببساطة ستخسر المنتجات الوطنية كل شيء لصالح نظيرتها الأجنبية نظرا لعدم التكافؤ وستغلق المصالح الصغيرة والمتوسطة أبوابها وسيبقى أناس بلا عمل… لمصلحة مَن يتم كل هذا؟

إن تجرد الرأسمالية من القيم والمبادئ لوحده كفيل بتجريمها والأخذ من منزلتها. إن تحول الإنسان إلى سلعة رخيصة في النظام الرأسمالي وخضوعه للعرض والطلب كفيل برصف الرأسمالية مع الشيوعية والإقطاعية التي همشت هذا الإنسان رغم أنه مدار الكون والرسالات السماوية. بالغت الرأسمالية كثيرا في تقدير الحرية الفردية فجاءت الشيوعية كتناقض صارخ لهذا التطرف، حيث أهين الإنسان في الحالتين ولم يعط حقه من الرعاية المستحقة والعيش الكريم. أهانت الرأسمالية الإنسان بأن نظرت إليه ككائن حي بعيدا عن الإنسانية والتقدير، فجعلته معرضا في أي وقت للفصل من عمله حين يمر بأزمة ما أو حين تجد من يأخذ أجرا أقل. الفصل بين الاقتصاد والأخلاق هو جوهر مشاكل الرأسمالية، حيث المال، والمال فقط. استخدمت الرأسمالية الربا كمصدر رئيس للأرباح، إلى درجة وصوله في بعض الأحيان إلى أكثر من رأس المال نفسه! وهذا سبب رئيس في الأزمة الحالية.

وللحكاية بقية

الجشع الرأسمالي لا تحده حدود كما أسلفنا. وقد كلف الجشع في الرهن والإقراض هذه المرة انهيار اقتصاد بأكمله وإدخاله نفقا مظلما لا يعرف أحد منتهاه. يكفي أن تعرف أنه إلى الآن عجز 1.3 مليون أمريكي فقط عن سداد الرهن القابض على بيوتهم، فيما يُتوقع دخول 3 ملايين جدد عام 2008 إلى قائمة ساكني الشوارع والصفيح، مما يهدد بتعميق الأزمة المتفاقمة حاليا.

إننا منتظرون…

7 تعليقات » فلسفة

الانفجار العظيم

19 سبتمبر 2008

صورة المُعجِّل التصادمي

تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبر إجراء المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN أول تجربة من نوعها لمحاكاة “الانفجار العظيم” الذي يُعتقد أنه حدث قبل ما يزيد على 14 مليار عام، وكان نواة تشكل الكون. يقع المشروع تحت عمق 100 متر تحت الحدود السويسرية الفرنسية، وبلغت تكاليفه في مجموعها 9 مليارات دولار، منها 3 مليارات يورو فقط لبناء مصادم الهدرونات الكبير، قطب الرحى في هذه العملية العملاقة. هذا المُعجِّل هو عبارة عن نفق دائري ضخم تحت الأرض بطول 27 كيلومترا ستطلق فيه بروتونات الذرة وجزيئاتها بشكل تعاكسي ليحدث نتيجة لذلك 600 مليون تصادم جزيئي في الثانية الواحدة، يؤدي كل تصادم منها إلى انشطار آلاف الجزيئات التي يتم تسجيلها تمهيدا لدراستها. يسعى العلماء في هذا إلى إعادة إنتاج ظروف الانفجار العظيم، وتسجيل جزء في المليون من الثانية التي أعقبته مما قد يؤدي إلى اكتشافات جديدة ويهدد بنسف نظريات قام عليها العلم لسنوات طويلة.

هذا المصادم يعتبر أضخم آلة صنعها الإنسان، وقد تطلبت التجربة الأولى للتصادم الجزيئي 120 ميغاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما تستهلكه مدينة مثل جنيف التي يبلغ عدد سكانها 160 ألف نسمة. تبلغ درجة الحرارة داخل المصادم الذي يعتبر أكبر وحدة تجميد في العالم سالب 271.4 درجة مئوية، وهو ما يقل بقليل عن درجة حرارة الفضاء الخارجي (-270.4)، وتقفز الدرجة عند التجربة التصادمية لتصبح أكثر بمئة ألف مرة من حرارة مركز الشمس، في حقل مغناطيسي أقوى بمئة ألف مرة من الحقل المغناطيسي للأرض يجبر الجزيئات المتطايرة على الانتظام في مدارها. عمل على هذا المشروع أكثر من ثمانية آلاف عالم فيزيائي من أكثر من ثمانين دولة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات والمختبرات حول العالم، وموارد حاسوبية هائلة جدا للتحكم بكمٍّ ضخم من البيانات ومعالجتها.

عندما رأيت كل هذا وأكثر، عرفت كم هو الإنسان ضعيف، محدود القدرة والمعرفة. وعرفت كم يكلفك كثيرا حين تكون بلا إيمان، بلا “حقيقة” مطلقة. كل هذه المحاولات تجيء فقط لإثبات (أو نفي) النظرية المذكورة وما جاءت به الكتب السماوية من قصة نشوء الكون وتشكله، محاولة في هذا إنكار أن يكون لهذا الكون خالق مدبر، وأن “الطبيعة” هي المُسيِّرة لدفة هذا الكون الفسيح المتناهي الأطراف. حين لا يكون هناك “حقيقة” مقطوع بها، تولد هذه النظريات المختلفة، والآراء، لأنه -باختصار- لا يمكن القطع بشيء لم يطّلع عليه أحد سلفا. فما بالك إذا كان هناك “شاهد” على هذا الشيء، هو من صنعه وهو من أنشأه -سبحانه-، ألا نصدقه ونركن إلى ما رأى (لا إلى ما اعتقد)؟ إنها حالة المادية الملحدة التي تشكل عليها العِلم الحديث ونضج، والتي يحاول إلباسها لكل شيء من حوله. أن يكون التسليم للتجربة والمحسوس فقط وليس للخبر أو المُغيب، حتى لو كان هذا الشيء غير ممكن تجربته أصلا.

هو أيضا أنانية هذا العِلم وقصره للحقيقة على ما يقوله هو فقط، وإلغاء الجوانب الأخرى بكل بساطة. هذا أمر يقبله كثير من الناس في عالم المادة اليوم، لكن ماذا لو قال أحد بإلغاء أن يكون العِلم مصدرا للحقائق؟ ستقوم عليه الدنيا ولن تقعد! ماذا عن أطنان “الحقائق” العلمية التي تنكشف سوءاتها يوما بعد يوم؟ أليس الأمر حريا بالوقوف عنده والسؤال عنه؟ إذا كانت نظرية “الانفجار العظيم” والتي هي من أكثر النظريات العلمية احتراما ومصداقية محل شك الآن قبل هذه التجربة، ماذا عن بقية النظريات الأقل مصداقية والأكثر نقاشا على جدول أعمال العِلم الحديث؟

أؤمن بأن العالم لن يُبتلع بثقب أسود محتمل عقب هذه التجربة، لأن الله سبحانه وتعالى هو من يُصرِّف الأمر وهو سبحانه من يعلم متى سينتهي هذا العالم. لكنها الأنانية -كل الأنانية- حين يصل الأمر للعِلم والتجربة العلمية، لا يهم حينها كم سيموت وكيف سيكون العالم بعدها. يُهاجم بشدة ويُنتقد من يحاول حماية العالَم من حماقات البعض، ويُتهم من يشكك في أمان هذه التجربة بأنه عدو للمعرفة، ولا يسمع أحد إليه في النهاية. كيف كان العالَم -مثلا- قبل اختراع القنبلة النووية وكيف أصبح الآن؟ ألم يصبح العالَم مكانا أقل أمنا بعد استحداث تلك القنبلة الفتاكة؟ عن أي علم نتحدث حين يصل الأمر لاختراع الألغام الأرضية التي تقتل أو تُقعد 26 ألف شخص سنويا؟ إذا لم يكن العِلم لتحسين ظروف ومعايش الناس، فأي إهدار هذا إذن؟

ما الذي سيكسبه العالَم إذا عرف -أو لم يعرف- أن الكون تشكّل جراء انفجار مادة شديدة التركيز في حجم قطعة معدنية؟ ثم ما الذي يثبت أصلا صحة هذه الفرضية؟ أليس الاستثمار في حياة الناس أجدى، وأكثر منفعة؟

6 تعليقات » تأملات, فلسفة