المادية القاتلة
22 ديسمبر 2008
في بداية هذا المنشور أتقدم بأصدق التعازي وأحرها إلى الصديق الفاضل صاحب القلم في وفاة والده رحمه الله الذي فاضت روحه إلى باريها إثر حادث سير… وإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، وهو قد قدم إلى رب رحيم لا يضيع أجر المحسنين. فاللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُله ووسع مُدخله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونقه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنَس. كما انتقل إلى رحمة الله تعالى في نفس اليوم شابان في عمر الزهور لم يدر بخلدهما أنهما يموتان في حادث سير لم يمهلهما دقائقَ لتصحيح أوضاعهما، فلا حول ولا قوة إلا الله العلي العظيم.
في ظل ركضنا الجامح بهذه الدنيا واهتمامنا الطاغي بأحوالها وتقلباتها السريعة والمتلاحقة، نادرا ما يستوقفنا فقد عزيز أو التحسر على غياب محبوب اختاره الله تعالى إلى جواره، وأن هذا الغياب ليس لهم وحدهم، بل هو جرس إنذار يحذّرنا، أن ما أصاب غيرنا سيأتينا يوما لا محالة، وأن القدر المحتوم لا شك آت، آت. إن مادية عالم اليوم وإغراقها للناس في رحىً عملاقة صاخبة من الآمال والأمنيات، والأحزان والملهيات كفيلة بصرف المسلم عن دوره المرتجى منه في عبادة الله تعالى والاستخلاف في الأرض. أما هذه المنذرات من موت وفقد فهي مجرد رموز ومؤشرات نتذكر فيها دائما التوازن المفقود فينا بين حياة الروح والمادة، بين القلب والعقل، بين الموت والحياة.
إن استشعار الحكمة من خلْقنا نحن بني البشر وبعثه في أنفسنا بين حين وآخر هو بمثابة النَّفَس الذي يأخذه الغواص لينجيه من الغرق في ظلمات البحر المتلاطم… فالخاسر من ضيّع العودة إلى السطح بجميل ما يرى تحت الماء، وخاسرٌ أيضا من فوّت على نفسه المشاهد البديعة تحت الماء بإيثاره السلامة في أعلاه. فالمسلم مستعبد لله تعالى، وهو أيضا مستخلَف لعمارة الأرض، والتوازن بين الاثنين مطلب مهم يغفل عنه كثير من الناس: “أفلم يسيروا في الأرض فتكونَ لهم قلوبٌ يعقِلون بها أو آذان يسمعونَ بها فإنها لا تعمى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور” [الحج 46].
رحم الله موتانا وموتاكم، ورزقنا وإياكم توبة نصوحا قبل الممات، إنه غفور رحيم.