أرشيف التصنيف 'ترجمة'

الجمعية الدولية للمترجمين العرب — جمع

30 يوليو 2008

“رب صدفة خير من ألف ميعاد” كما يقولون. منذ فترة طويلة وأنا أتسائل عن وجود -أو حتى إيجاد- جمعية ما مهتمة بالمترجمين العرب، بإنجازاتهم وهمومهم، والمشاكل التي تواجههم. وجدت هذا الموقع بينما كنت أبحث عن بيت شعري في المدح! فوجئت بوجود مثل هذا الموقع بعيدا عن متناول كثير من المترجمين العرب، وبعيدا عني طوال الفترة الماضية.

هي جمعية خاضعة للقوانين البلجيكية، يديرها الدكتور أحمد الليثي، ويدير الموقع الدكتور عبدالرحمن السليمان المقيم في بلجيكا. تنص رسالة الجمعية كما هو معروض بصفحتها الأولى على:

حشد طاقات المشتغلين بالترجمة من العربية وإليها وتسخيرها في سبيل الارتقاء بالوضع المادي والاعتباري للمترجم المشتغل باللغة العربية والتعبير عن آلامه وآماله والدفاع عن مصالحه أينما كان في وذلك في إطار القوانين والأعراف المهنية العالمية المتداولة.

للجمعية العديد من النشاطات والجهود في مجال الترجمة، ولهم العديد من المطبوعات في هذا الجانب.

لزيارة موقع الجمعية

تعليق واحد » ترجمة, رابط

في العبودية والترجمة القرآنية

4 يونيو 2008

لا شك أن ترجمة (معاني) القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى خصوصا في هذا الزمن الذي انتشرت فيه المعلومة بشكل لم يسبق له مثيل، يعد من أفضل ما جاء به المترجمون ومن أعظم التشريفات التي حظوا بها. ويصل التشريف غايته عندما تكون هذه الترجمات -غالبا- أول ما يطّلع عليه الباحث عن الدين الحق وبداية طريقه للالتحاق بركب المسلمين؛ فوجب أن تكون مثل هذه الترجمات صحيحة ومطابقة للمعنى العربي الذي نزل به القرآن الكريم.

“في العبودية والترجمة القرآنية”… كثيرا ما يمر في القرآن الكريم ذكر التشريف الذي حصل لبني آدم وعبوديتهم لله سبحانه وتعالى، فيأتي في صيغ عديدة: “يا حسرة على العباد…”، “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم…”، “قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة…” وغيرها. إن معنى العبودية لله المقصود هنا هو المعنى الخاص للعبودية، وهو المخصوص للمؤمنين دون سواهم، ومعناه العابد لله المطيع لأمره، الذي أفرد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ولم يشرك به شيئا [اقتباس بتصرف: الإسلام سؤال وجواب].

لن أحقّر هنا جهود أحد، فجهد المترجمين للقرآن وعملهم لا ينكره إلا جاحد أو مستكبر، ولست -ولله الحمد- بأحدهما. لكن استعداد المترجم لمثل هذا العمل الضخم يجب أن يكون موازيا لعظمة الكتاب المنقول عنه؛ فلا ينقص النص قدره ولا يحيل المعنى، بل يحاول أن يستلهم النص العربي ويفهم معانيه قبل أن ينطلق في ترجمته تلك.

إن نظرة إلى ترجمات عريقة ومعتبرة بالإنجليزية للقرآن الكريم تنبيك عن الخلل الواضح في مفهوم العبودية لدى عدد كبير منهم للأسف، وعدم فهمهم لهذا المعنى العميق. فحين تنظر مثلا إلى ترجمة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف والتي قام على ترجمتها الشيخان محمد تقي الدين الهلالي -رحمه الله- ومحمد محسن خان -حفظه الله-، نجد ترجمة غريبة لآية الزمر “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم…”:

Say: “O ‘Ibâdî (My slaves) who have transgressed against themselves (by committing evil deeds and sins)! Despair not of the Mercy of Allâh: verily, Allâh forgives all sins. Truly He is Oft-Forgiving, Most Merciful.

حيث ترجمت كلمة (عبادي) بـ (My slaves)، وقد جاء في قاموس الإنجليزية من أكسفورد أن كلمة slave تحوي معنيين: [معنى تاريخي] الشخص المملوك قانونا لآخر والمكره على الخضوع له، أو هو الشخص المعتمد بشكل مفرط على/متحَكَّم به من قبل شيء ما [مثال: عبد أو أسير الموضة]. ولا شك هنا أن معنى “عبد” أو “رقيق” (الموجود في المعنى الأول) ليس هو المعنى الذي جاءت به الآية الكريمة، وهو معنى بغيض ومنفّر حسب العرف والتاريخ الغربيين. كما أن ذات الترجمة استخدمت في الآية الكريمة من سورة إبراهيم “قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة…” وهما فقط آيتان للاستشهاد من الترجمة المذكورة، وإلا فقد يطول بنا المقام في هذا.

نأتي الآن للترجمات الأخرى، فيبرز في هذا ترجمة عبدالله يوسف علي -رحمه الله-، وهي الترجمة الأكثر انتشارا وشهرة على مستوى العالم. فنجده يترجم كلمة (عبادي) الواردة في سورة الزمر بـ (my Servants)، وكذلك فعل في آية إبراهيم “قل لعبادي الذين آمنوا…”، وقد جاء في تعريفها أن كلمة servant تحوي معنيين: الشخص المكرَّس للأعمال المنزلية ضمن عائلة أو كمرافق شخصي، أو هو الشخص المتعهد بتقديم دعم أو خدمة لجماعة أو فرد. إن أيا من “خادم” أو “مستخدَم” لا يدل على معنى أو علاقة العبودية بين المسلم وربه، وهذا الواضح من المعنى المأخوذ من كلمة العبد باستعمالها القرآني.

من الترجمات الشهيرة أيضا ترجمة محمد مارمادوك بيكثال -رحمه الله- وترجمته قريبة من ترجمة عبدالله يوسف علي في شهرتها وانتشارها. ترجم محمد باكثال جملة “قل يا عبادي…” في سورة الزمر بـ (Tell My bondmen…) وbondmen هنا جمع لـ bondman وهو اللفظ المطابق لمعنى slave أي رقيق أو عبد، واستخدم أيضا كلمة slave في الآية الكريمة من سورة إبراهيم “قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة…”، وهو المعنى غير الصحيح وغير المكافئ للمعنى العربي كما أشرنا من قبل.

كذلك ضمن من ترجموا القرآن الكريم كان الشيخ محمد حبيب شاكر -رحمه الله-، والشيخ محمد أسد -رحمه الله- وقد وقعا للأسف في نفس الأخطاء السابقة واستخدموا كلمة servant المشار إليها سابقا في المثالين المذكورين.

هل هذا كل شيء؟ لا طبعا، فإن لم يوفّق العلماء الأجلاّء السابق ذكرهم، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، فقد وفّق غيرهم بحمد الله. ومن هؤلاء الدكتور حسن الفاتح قريب الله، شيخ الطريقة السمانية (إحدى طرق الصوفية) في السودان. وترجمته جاءت مطابقة للمعنى العربي للعبادة -من وجهة نظري-؛ فقد استخدم في ترجمته لكل من الآيتين المذكورتين كلمة (worshipper) من (worship) وهي ذات ثلاث معان: الشعور أو التصريح بالتبجيل والعبادة لله سبحانه وتعالى، أو هي الطقوس والاحتفالات الدينية، أو أنها الإعجاب والعاطفة الشديدين. أما كلمة (worshipper) فهي الفاعل من هذا الفعل، أي المصرح بالتبجيل والعبادة لله سبحانه، ولا أشك هنا أن هذا هو المعنى المقصود بالعبودية هنا إن شاء الله.

ما ذكرته هنا لا يعني عدم صحة البقية، أو حتى أنه الخطأ الوحيد، لكنه مثال رأيت أنه يصلح للدلالة على وجوب التحرك الجاد والسريع لمراجعة الموجود وإصلاح الخلل. فالقرآن الكريم أشرف وأفضل الكتب، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتغاضى فيه عن الخطأ، بل يجب تبيينه وإيضاحه… والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

7 تعليقات » تأملات, ترجمة