أرشيف شهر أغسطس 2008

لن ننسى سربرينيتسا…

17 أغسطس 2008

في يوم أسود من أيام يوليو/حزيران عام 1995 أقدمت قطعان الصرب يتقدمهم المجرم الهالك راتكو ملاديتش (قائد الجيش الصربي في ذلك الحين) والمجرم الآخر رادوفان كرادجيتش (الرئيس الصربي في ذلك الوقت) بتآمر مع القسم الهولندي مما كان يسمى بقوات حفظ السلام في البوسنة والهرسك باقتياد أكثر من 8000 بوسني من سربرينيتسا ممن كانت أعمارهم تتراوح بين السادسة عشرة والخامسة والخمسين ثم قتلهم جميعا، في جريمة هي الأبشع في تاريخ أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. قبل تلك الجريمة، أعلنت ما يسمى بالأمم المتحدة سربرينيتسا “منطقة آمنة”، وعيّنت عليها 400 جندي هولندي انسحبوا حين وقعت المدينة تحت سيطرة الصرب، بل حتى أنها سلّمت من التجأ إليها من البوسنيين طالبا الحماية إلى القطعان الصربية، في تآمر صليبي مفضوح.

ما يعيد إلى الذاكرة كل هذا، هو اعتقال رادوفان كرادجيتش، المجرم “الهارب” لأكثر من 13 عاما، في مشهد مخز لمن عُلقت عليه الآمال يوما في إقامة “صربيا الكبرى”… سقط الحلم وبقيت الويلات وأرواح 200 ألف مسلم ساهم في قتلهم تطارده أينما ذهب، وهذا خزي الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأخزى.

ربما لا أثق في عدالة محكمة جرائم الحرب، فهي -كغيرها- مُسيّرة لخدمة أطراف ليس من بينها العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، لكن شكل هذا المجرم وطريقة تنكره تثبت أنه مهما طال الزمان، فإن سنن الله في فضح الظلمة والمجرمين سنة ماضية قائمة. وسبحان الله، فبعد أن كان يصدر الأوامر لقطعان الصليب فتنتشر في الأرجاء فتكا وظلما، جاء اليوم الذي يركع فيه أمام العدسات وتحت أنظار العالم، وتصدر الأوامر إليه أن اجلس، واسكت! ليس مصيرك يا مجرم بأفضل من حال صاحبك الذي مات في السجن منتحرا. لن تطول بك الأيام يا رادوفان حتى تجد نفسك في إثر رفيقك، وحينها، لا فرار، ولا موت…

لم يتجاوز عمري حين كانت هذه الأحداث 11 عاما، أقيم معرض في مدينتي عن جرائم الصرب في البوسنة، وأقيمت التبرعات دعما لهم. لا أزال أتذكر المحاضرة التي أقيمت حينها، والشيخ الذي ألقى المحاضرة -حفظه الله-، والتي كان الحديث فيها عن دور فرنسي في حرب البوسنة! كبرت، وتعلمت أن فرنسا هي بلد الحريات ومهد التسامح في العالم، لدرجة أنهم يصفون لغتها بـ “لغة الحب والأدب” وأنها -أي فرنسا- احتضنت أول ثورة من أجل المساواة والحرية في أوروبا… أين كان جنودكِ يا فرنسا حين ذُبحت البوسنة؟ كان الجنود الفرنسيون يبيعون المساعدات الدولية على البوسنيات، ولأنهن كن لا يمتلكن المال، فكان مقاضاته بشرفهن هو الثمن. تبا لفرنسا وتبا لكل الشعارات الفارغة، وتبا ثم تبا لكل من صمت حين أريق الشرف في شوارع سراييفو.

شهدت حرب البوسنة فظائع يطأطئ العالم رأسه حين يأتي الذكر على بعض منها. لم يكن أقل ذلك بالطبع قتل 200 ألف بوسني تحت سمع العالم ونظره، فكان أن اغتصبت 60 ألف مسلمة في فتوى من الكنيسة الأرثذوكسية أباحت الزنا بالمسلمات. كيف كان ينام العالم بينما كل الفظائع ترتكب؟ ما أشد الظلم حينما يصمت الجميع بينما تطلق صرخاتك مستغيثا بهم. ما أشد الظلم، حين تتوقف الكلمات على شفاهك، حين لا تعبر كل الكلمات عن فظاعة جُرم كهذا.

هل مات الصليبيون؟ هل ذهب آخرهم إلى السجن؟ لا يزال الكثير من الصرب يعتبرون هذا المجرم بطلا قوميا، وقائدا عظيما كانت “صربيا الكبرى” أوج اهتماماته وأولى أولوياته… سأعيد السؤال: هل مات الصليبيون؟

5 تعليقات » تاريخ, هموم أمتي

مدونة، بصياغة عربية

13 أغسطس 2008

أعلن الأخ م.س. احجيوج على مدونته عن قرب وصول مولودته البكر في عالم برامج التدوين، والتي لم تحظ باسم لها بعد سماها بأول حرف من اسمه “م”. حمل هذا البرنامج لاسم احجيوج يكفي لتوقع أشياء كثيرة وخطوات لاحقة أكثر جمالا.

من الجميل أن يكون لمدوّن عربي هذا القدر من الالتزام والمبادرة والطموح. هذا درس صغير من محمد على أن تحويل الكلمات إلى عمل ملموس ليس بالأمر الصعب ولا الهيّن، لكنه يستلزم روحا تطرد الكسل وتنادي بالعمل أن هيا، وأقبل.

2 تعليقات » رابط, مدونون

ركام البيوت

10 أغسطس 2008

غادر أهلي اليوم المنزل متجهين إلى الطائف، ومنها إلى مكة المكرمة لأداء العمرة. لم يكن فراقهم لي فجأة، بل جاء بعد أسابيع من التخطيط والمشاورات. بعد أن أغلقوا الباب خلفهم، نظرت إلى البيت وقد أصبح خاليا، لم أتمالك دمعتي؛ لقد كان قبل دقائق يعج بالحركة قبل أن تنطفئ في غمضة عين. تأملت أركانه، أثاثه، وتذكرت أهلنا في فلسطين… أدركت كم عسير هو فقد البيت، الذكريات، الأماكن. ليس البيت فقط كومة من بناء، بل كأنه فرد من العائلة، يفرح لوجودهم ويذبل حين غيابهم.

حمدت الله، حيث أقف في بيتنا، بينما يقف آخرون في العراء وآخرون يسكنون خشاش الحديد. أقف، بينما آخرون مكبلون للجلوس، معصوبوا الأعين، لا جرما اقترفوا سوى أن عدوهم لا يرحم. أدركت، بينما وقفت أنسج الذكريات، أن الدنيا متاع زائل، وأنها كالبيت، لا بد أن تخلوا يوما من الساكنين. أدركت أننا عمون في انطلاقتنا إلى الدنيا وركضنا فيها، أنها ليست سوى بيت صغير بالنسبة لعالم فسيح. عالم يحدده طبيعة عملك داخل هذا البيت، إن عملت خيرا، فخير وروح وريحان… وإلا، فالخسران، حيث لا يجدي ندم.

تعلمت من بيتنا أن الوقوف في وجه الصعوبات يستلزم أسسا متينة. فحين تتعرض جدرانه لشتى عوامل التعرية، يصمد بقدر ما تكون المواد المستخدمة في بنائه متينة وصلبة. إنه لا يتزحزح مع شدة الرياح وقوة المياه الجارفة؛ لأن أساساته تنغرس عميقا في الأرض لتؤمّن له ثباتا وشدة لا تتآكل مع مرور السنين. وهكذا حال المسلم في هذا الزمان المتخم بالفتن والتيارات التي تحاول صرفه عن دينه، فبقدر إيمانه ورسوخه في القلب يقف المسلم شامخا لا ينجرف مع التيارات، ولا ينحني لرياح الفتن.

البيت صديق وفي، كتوم للأسرار، تفضي إليه بكل ما في قلبك، فلا تلفي إلا صامتا حكيما. كم هي متخمة البيوت بالأسرار! وهذا من نعمة الله علينا، أن ستر علينا ذنوبنا في الدنيا، ونسأل الله أن يغفرها لنا في الآخرة. تذكرت، وأنا بين جدران البيت، نظر الله إلي وقربه مني، حين أبتعد عن عيون الناس وأسماعهم. تذكرت كم أعصي، ويستر الله علي، وكيف حالي إذا كنتُ مع مخلوق أسيء إليه المرة تلو المرة، فلا أجد منه إلا كل الكرم والعطاء. كيف سأكون أنانيا وغبيا إذا كان من أسيءُ إليه ولي نعمتي، ومسبغ النعماء علي؟

أسأل الله لأهلي السلامة أينما حطت بهم أرض وظللتهم سماء، أما أنا، فلي مع بيتنا حكاية عشق بدأت للتو!

4 تعليقات » تأملات, هموم أمتي

التالي »