أرشيف شهر سبتمبر 2008

كن معي

28 سبتمبر 2008

التشجيع والمؤازرة من الصفات العديدة التي يمتاز بها الناجحون والمتميزون عن غيرهم. أن تكتسب معرفة ما أو تكون ملما بشيء منها لا يعني أن هذا سينقص من قدري أو يقلل من معرفتي، أو يكون عائقا لي عن تحقيق نجاحات مماثلة. كيف يكون الأمر إذن إذا كنتُ على اطلاع بما اكتسبتَه من معرفة؟

عندما يكون التطوير والتحفيز هما للشخص لا يفارقه، يكسبه هذا محبة الناس واجتماعهم من حوله، حتى لو لم يكن ذلك الشخص على إلمام تام بتلك المهارة أو المعرفة. حسنا لا أريدك أن تعلمني كيف أصنع طائرة نفاثة أو أن أكون جرّاح أعصاب، لكن دعمك ومؤازرتك لي دافع أكبر لأتعلم وأنتج، وهذا لن ينقص منك ولن يجعلك تبدو أقل معرفة، بل العكس هو الصحيح.

اتصلتُ بأحدهم مرة أسأله عن إحدى الشركات التي يعرفها، عن نشاطها؛ لأن اسمها لم يكن يدل على شيء. مباشرة فاجأني بعبارة غريبة: “لا تحاول، لن يقبلوك!”، ويبدو أن هذا الشخص كان يمر بأزمة من نوع ما: “إنهم لا يقبلون إلا بشروط صعبة، لن تتوفر فيك”. حسنا، لا أعتقد أنك موظف لديهم لتقول هذا الكلام، ولا أظن أنني بحاجة لأسمع هذا الكلام لأنني لم أكن أنوي التقدم إليهم أصلا. وحتى لو كنتُ، ما شأنك أنت؟ هل قبولي في هذه الشركة يعني أنك غير كفء لها مثلا؟ ماذا لو أجابني على سؤالي (نشاط الشركة) وأنهى المكالمة دون أن يضع نفسه في موقف محرج كهذا، هل كنت سآخذ عليه في نفسي أم كنت سأشكره لأنه أسدى إلي معلومة ما؟

آخرُ في اتصال آخر، كنت أسأله عن البرمجة وعن نصائحه لي قبل الدخول إلى هذا المجال. أخبرني هذا بأنني “لا أصلح” وسألني سؤالا من قبيل (أرأيت؟ أنت لا تعرف): “ما هي خبراتك في البرمجة؟” حسنا، القضية هنا أنني أريد أن أدخل هذا المجال، لو كنتُ خبيرا به ما كنتُ أتيتُ لأسألك. أجبته بأن لي معرفة بسيطة بـ PHP ويبدو أن هذه الإجابة التي لم يرد: “PHP؟ هل تعرف ماذا يعني PHP؟” ثم أخذني في سلسلة من الأسئلة و”الدوال” ليثبت لي بما لا يدع مجالا للشك أنني لا أفقه شيئا وأنه يعرف أفضل مني. حسنا، لستُ في حاجة أن أعرف أنك أفضل مني، لأنك درستها 5 سنوات في الكلية، ليس هذا ما اتصلتُ بك لأسأل عنه.

إنها مجرد ثانية أو أقل، تقرر فيها ما إذا أردت أن تكون إيجابيا أو سلبيا. السلبية أن تقفز السؤال لتتحدث عن الشخص وتقيمه، وهذا ليس ما أردتُ رأيك فيه بكل تأكيد. الإيجابية أن تشجعني إن رأيتَ أو حتى لو لم تر فيَّ الشخص الواعد، مجرد كلامك يبعث في نفسي الراحة والأمل. إذا لم ترد أن تكون إيجابيا، فلا تكن سلبيا، أجب على السؤال بقدره ولا تضع نفسك في مكان لا تحمد عليه. هل الإيجابية مكلفة؟ أبدا، الإيجابية ابتسامة لطيفة، تشجيع بسيط أو حتى اهتمام غير مكلف. جهد قليل لكن آثاره تبقى طويلا… يقولون أنك إذا ساعدت شخصا ليصل إلى القمة فأنت شريك له في القمة، ألا يسمعون لحديثه -صلى الله عليه وسلم- “الكلمة الطيبة صدقة”؟

4 تعليقات » تأملات

وسوم وتصنيفات

24 سبتمبر 2008

منذ فترة وأنا أتسائل عن جدوى وجود تصنيفات ووسوم (tags) لاستخدامهما في المدونة. وكنت في طريقي فعلا لكتابة تدوينة جديدة أعلن فيها تمردي على الملأ وحذف التصنيفات إلى الأبد، لا لشيء إلا لأنها “تكبل الإبداع” و”تكبت” الكاتب ضمن أطر ضيقة يحاول أن لا يتجاوزها. فكرت أنني لو استخدمت الوسوم لكان ذلك أجدى وأكثر حرية لطرق ما أشاء دون الحاجة إلى استحداث تصنيف جديد لكل تدوينة!

أعتقد أنني كنت مخطئا… قبل أن أنفذ حكم الإعدام في حق التصنيفات المسكينة أجريت بحثا عن استخدام التصنيفات فوجدت أن دارن راوز قد كتب تدوينة رائعة (لكنها قديمة) في ProBlogger.net عن استخدام التصنيفات والوسوم بشكل فعال، وأن أيا منهما لا يتعارض مع الآخر.

في البداية التصنيفات تعمل بآلية ملفات الأرشيف، حيث يجب أن تعزى كل ورقة (تدوينة) إلى ملفها الخاص (تصنيفها في المدونة). عدد التصنيفات في المدونة يجب أن يكون محدودا وعاما ليحوي أكبر قدر ممكن من التدوينات، وليكون أسهل في التصفح للزوار. كل تدوينة يجب أن تعزى إلى تصنيف واحد فقط منعا للتكرار فهي مثل الورقة لا يمكن أن تؤرشف في ملفين. التصنيفات نظام تصفح وليس أداة لتمييز مقالاتك، وهو جزء أساس في نظام التصفح لأي مدونة.

أما الوسوم، فهي مكملة لعمل التصنيفات لكنها لا تقوم مقامها. أفضل طريقة لتصور عمل الوسوم هي اللواصق الملونة التي تضعها للتعليم على صفحاتك المفضلة في الكتاب. هي إذن تمييز لأجزاء معينة من الكتاب لكنها لا تصف الكتاب بأكمله!

تصبح الوسوم بلا معنى عندما تكون وسومك متفرقة ومختلفة عن بعضها. استخدم الوسوم مرة بعد أخرى، عندما تكتب تدوينة عن السيارات، مثلا، وتسمها بـ “سيارات” و”محركات” و”فورملا1″ أو حتى أكثر من ذلك بكثير، من المهم عندما تعاود الكتابة عن الموضوع أن تعيد استخدام تلك الوسوم المستحدثة مسبقا لتكون تلك الوسوم ذات قيمة ومعنى. من المهم التنبيه إلى أن الوسوم لا توضع على القائمة الجانبية للمدونة لأنها باختصار ليست جزءا من النظام التصفحي للمدونة. يمكنك بدلا من ذلك وضعها أسفل تدويناتك وستكون بذلك أكثر قيمة وأهمية للزوار، وقد تحل محل إضافة “التدوينات المشابهة” التي يستخدمها الكثيرون.

إذا كنت لا تزال مصرّا على وضع الوسوم على القائمة الجانبية لمدونتك، استخدم “غيمة الوسوم” فهي أسهل للقراءة من القائمة العادية، لأنها تحوي كما كبيرا من المعلومات في مساحة صغيرة، وتسهل لزوارك الوصول إلى مبتغاهم من المقالات المخصصة دون الحاجة إلى استخدام ميزة البحث. وهذه الخدمة، أي الوسوم، قد تكون بديلا مستقبليا لخدمة البحث إذا أحسنت استخدامها.

قريبا سأقوم بحذف بعض التصنيفات ودمج البعض الآخر، أعتقد أنني مقتنع باستخدام الوسوم الآن أكثر من أي وقت مضى. أعتقد كذلك أن هذا القالب سيرى طريقه إلى الغياب قريبا، ربما موجة تغيير عاصفة ستشهدها مدونتي قريبا.

3 تعليقات » مدونون

الانفجار العظيم

19 سبتمبر 2008

صورة المُعجِّل التصادمي

تناقلت وسائل الإعلام العالمية خبر إجراء المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN أول تجربة من نوعها لمحاكاة “الانفجار العظيم” الذي يُعتقد أنه حدث قبل ما يزيد على 14 مليار عام، وكان نواة تشكل الكون. يقع المشروع تحت عمق 100 متر تحت الحدود السويسرية الفرنسية، وبلغت تكاليفه في مجموعها 9 مليارات دولار، منها 3 مليارات يورو فقط لبناء مصادم الهدرونات الكبير، قطب الرحى في هذه العملية العملاقة. هذا المُعجِّل هو عبارة عن نفق دائري ضخم تحت الأرض بطول 27 كيلومترا ستطلق فيه بروتونات الذرة وجزيئاتها بشكل تعاكسي ليحدث نتيجة لذلك 600 مليون تصادم جزيئي في الثانية الواحدة، يؤدي كل تصادم منها إلى انشطار آلاف الجزيئات التي يتم تسجيلها تمهيدا لدراستها. يسعى العلماء في هذا إلى إعادة إنتاج ظروف الانفجار العظيم، وتسجيل جزء في المليون من الثانية التي أعقبته مما قد يؤدي إلى اكتشافات جديدة ويهدد بنسف نظريات قام عليها العلم لسنوات طويلة.

هذا المصادم يعتبر أضخم آلة صنعها الإنسان، وقد تطلبت التجربة الأولى للتصادم الجزيئي 120 ميغاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما تستهلكه مدينة مثل جنيف التي يبلغ عدد سكانها 160 ألف نسمة. تبلغ درجة الحرارة داخل المصادم الذي يعتبر أكبر وحدة تجميد في العالم سالب 271.4 درجة مئوية، وهو ما يقل بقليل عن درجة حرارة الفضاء الخارجي (-270.4)، وتقفز الدرجة عند التجربة التصادمية لتصبح أكثر بمئة ألف مرة من حرارة مركز الشمس، في حقل مغناطيسي أقوى بمئة ألف مرة من الحقل المغناطيسي للأرض يجبر الجزيئات المتطايرة على الانتظام في مدارها. عمل على هذا المشروع أكثر من ثمانية آلاف عالم فيزيائي من أكثر من ثمانين دولة، بالإضافة إلى العديد من الجامعات والمختبرات حول العالم، وموارد حاسوبية هائلة جدا للتحكم بكمٍّ ضخم من البيانات ومعالجتها.

عندما رأيت كل هذا وأكثر، عرفت كم هو الإنسان ضعيف، محدود القدرة والمعرفة. وعرفت كم يكلفك كثيرا حين تكون بلا إيمان، بلا “حقيقة” مطلقة. كل هذه المحاولات تجيء فقط لإثبات (أو نفي) النظرية المذكورة وما جاءت به الكتب السماوية من قصة نشوء الكون وتشكله، محاولة في هذا إنكار أن يكون لهذا الكون خالق مدبر، وأن “الطبيعة” هي المُسيِّرة لدفة هذا الكون الفسيح المتناهي الأطراف. حين لا يكون هناك “حقيقة” مقطوع بها، تولد هذه النظريات المختلفة، والآراء، لأنه -باختصار- لا يمكن القطع بشيء لم يطّلع عليه أحد سلفا. فما بالك إذا كان هناك “شاهد” على هذا الشيء، هو من صنعه وهو من أنشأه -سبحانه-، ألا نصدقه ونركن إلى ما رأى (لا إلى ما اعتقد)؟ إنها حالة المادية الملحدة التي تشكل عليها العِلم الحديث ونضج، والتي يحاول إلباسها لكل شيء من حوله. أن يكون التسليم للتجربة والمحسوس فقط وليس للخبر أو المُغيب، حتى لو كان هذا الشيء غير ممكن تجربته أصلا.

هو أيضا أنانية هذا العِلم وقصره للحقيقة على ما يقوله هو فقط، وإلغاء الجوانب الأخرى بكل بساطة. هذا أمر يقبله كثير من الناس في عالم المادة اليوم، لكن ماذا لو قال أحد بإلغاء أن يكون العِلم مصدرا للحقائق؟ ستقوم عليه الدنيا ولن تقعد! ماذا عن أطنان “الحقائق” العلمية التي تنكشف سوءاتها يوما بعد يوم؟ أليس الأمر حريا بالوقوف عنده والسؤال عنه؟ إذا كانت نظرية “الانفجار العظيم” والتي هي من أكثر النظريات العلمية احتراما ومصداقية محل شك الآن قبل هذه التجربة، ماذا عن بقية النظريات الأقل مصداقية والأكثر نقاشا على جدول أعمال العِلم الحديث؟

أؤمن بأن العالم لن يُبتلع بثقب أسود محتمل عقب هذه التجربة، لأن الله سبحانه وتعالى هو من يُصرِّف الأمر وهو سبحانه من يعلم متى سينتهي هذا العالم. لكنها الأنانية -كل الأنانية- حين يصل الأمر للعِلم والتجربة العلمية، لا يهم حينها كم سيموت وكيف سيكون العالم بعدها. يُهاجم بشدة ويُنتقد من يحاول حماية العالَم من حماقات البعض، ويُتهم من يشكك في أمان هذه التجربة بأنه عدو للمعرفة، ولا يسمع أحد إليه في النهاية. كيف كان العالَم -مثلا- قبل اختراع القنبلة النووية وكيف أصبح الآن؟ ألم يصبح العالَم مكانا أقل أمنا بعد استحداث تلك القنبلة الفتاكة؟ عن أي علم نتحدث حين يصل الأمر لاختراع الألغام الأرضية التي تقتل أو تُقعد 26 ألف شخص سنويا؟ إذا لم يكن العِلم لتحسين ظروف ومعايش الناس، فأي إهدار هذا إذن؟

ما الذي سيكسبه العالَم إذا عرف -أو لم يعرف- أن الكون تشكّل جراء انفجار مادة شديدة التركيز في حجم قطعة معدنية؟ ثم ما الذي يثبت أصلا صحة هذه الفرضية؟ أليس الاستثمار في حياة الناس أجدى، وأكثر منفعة؟

6 تعليقات » تأملات, فلسفة

التالي »