المدرسة، الوقاية خير من العلاج
2 سبتمبر 2008
لطالما تغنى الكثيرون بالمدرسة كأساس وحاضن للطالب، يجلس إليها ست أو سبع ساعات يوميا، وأنها قد تتفوق حتى على المجهود العائلي في التربية والتقويم للطفل/الشاب. فسمعنا من هذا القبيل أشعار ومدائح لعل من أبرزها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي التي يقول في مطلعها:
قم للمعلم وفه التبجيلا () كاد المعلم أن يكون رسولا
لكن، هل المدرسة تستحق كل هذا التقدير؟ بنظرة فاحصة ومتجردة، سنجد أن المدرسة لم تعد تضطلع بذات الدور الذي كانت عليه سابقا. فبينما كانت المدرسة تمتع باستقلالية معينة، عن البيت وعن الشارع، أصبحت المدرسة أضعف سلطة من ذي قبل. فأصبحت تُحكم بأولياء الأمور ومزاجياتهم حسب ما يصدر لهم من المنزل! وأصبحت المدارس في ترقب دائم لجهاز الناسوخ الذي يدق جرس الإنذار كل يوم معلنا عن تعميم جديد من الوزارة، ينقض تعميما سابقا كان قد بدئ العمل به… كان المعلم ذا مهابة كبيرة، يدخل الفصل فينصت له الجميع، لا رغبة بالعلم بل خوفا من العقاب، أما الآن، فربما أصبح الدخول والخروج سواء!
في السابق، كانت المدرسة مؤسسة تربوية علمية، بضاعتها علم وتأديب، أما الآن، فالمناهج العلمية موجهة إلى الروبوتات، حيث يحفظ الطالب كل شيء، ليتركه على طاولة الامتحان، أما التأديب فضمير مستتر… إذا تحدثنا عن المناهج فعوارها كلٌّ يعرفه، فلا تحديث لها، وهي معتمدة في كل أمرها على الحفظ في تغييب كبير للفهم وحل المشكلات، وفي غياب عن الإحساس بالإنسانية في الشخص الذي توجه له الرسالة التعليمية.
أما سلوكيا، وبعد غياب سلطة المدرسة، صارت المدرسة بؤرة لنشر كل خلق فاسد، وكل صحبة سيئة، في غياب تام لأي دور تربوي حقيقي في إرشاد الطلاب وتوجيههم نحو ما ينفعهم. فانتشرت بينهم العادات السيئة كالتدخين والاستعراض بالسيارات، وربما سار بعضهم إلى أبعد من ذلك، وكل هذا من تبعات غياب الرؤية التربوية للمدرسة وغياب المعلم الناصح -إلا من رحم ربي-.
قد يهرع البعض إلى تكذيب هذا الأمر، وهذا أمر لا مشكلة فيه؛ فالمدرسة -ككثير غيرها- أصبحت من المسلّمات التي فُرضت علينا. وأصبح الانتساب إليها شرطا أساسيا للشهادة، والوظيفة… لو كان الأمر بهذه البساطة لما اشتكى أحد! لم يعد الأمر دورة حياتية مفرغة، فالشهادة لم تعد كافية لوحدها من أجل الوظيفة، والوظيفة نفسها لم تعد صالحة لأصحاب الشهادات! الوثيقة ليست دليلا على قدرات الطالب المعرفية، وإلا لكان طلابنا حملة الجوائز العالمية في المجالات المختلفة. من المستحيل حصر المعرفة بشهادة (ما)، بل قد نتجاوز ونقول أن الشهادة ليست دليلا على وجود معرفة ما.
هل سيأتي يوم يستغني الناس فيه عن إرسال أبنائهم إلى المدارس؟ أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من الأمور التي يصرّ البعض على استحالة الحياة بدونها، ولعل المدرسة أول الضحايا هنا. قضاء ما قد يزيد على 16 عاما بين غرف الدرس هل ينتج لنا جيلا مثقفا قادرا على تحمل مسؤوليات مجتمعه وأمته؟ أين الخطأ إذن؟
أعتقد أن هذا السؤال الأخير قد طرح ملايين المرات دون عثور على إجابة ما. والجواب سهل: الخطأ هو المدرسة… الخطأ هو اعتبار المدرسة الطريق الوحيد الموصل إلى المعرفة والنجاح الوظيفي.
كثير من المبدعين والمخترعين لم تسهم درجاتهم الدراسية في نجاحهم العلمي والمعرفي. بل إن البحوث تؤكد أن الطلاب المبدعين يتململون غالبا من مقاعد الدراسة والتزاماتها اليومية، وهذا ما لم تدركه مدارسنا بعد.
شخصيا سأعمل على أن لا أرسل أبنائي إلى أي مدرسة، إذا كانت المدرسة ستعلمهم القراءة والكتابة فلن يكون هذا أمرا تعجيزيا. سأتكفل بتعليمهم كل شيء وسيكونون -بمشيئة الله- من خير الناس دون أن أجبرهم على الذهاب إلى مكان لا يحبونه كل صباح. أما العمل فالشهادة -كما أسلفت- ليست شيئا في أعمال اليوم، يكفي أن يعرفوا أن والدهم أكمل عاما حتى الآن دون أن يجد وظيفة تلائم تخصصه الجامعي! العمل الحر أفضل بألف مرة من العمل تحت إمرة أي كان، والتخصص المناسب ستوفره لهم الكتب واستشارات المختصين، دون مواد خارج التخصص أو مواد تفرضها إدارة الجامعة.
سيكونون بخير، دون ضياع 16 عاما…

