بين الرضى والقناعة
21 أكتوبر 2008
بعد أن افتتحت هذه المدونة مرة أخرى بعد أن عصفت بالأولى رياح الووردبريس وتخبطاته الغريبة، كانت أول صفحة بدأت بتعديلها هي (من أنا) لما أراه من أهمية هذه الصفحة بالنسبة لي في كافة المدونات التي أدخلها. احترت في ماذا أكتب وكيف أكتب، خصوصا أنني انتهجت أسلوب الغموض في (من أنا) السابقة:
رجل كتبت عنه المقالات وسطرت فيه الدواوين، لكنه لم يجدها حتى الآن…
هل تريد شيئا مميزا أكثر من هذا؟
أعترف هنا بأن هذين السطرين لم يكن لهما أي داع، وأنهما كانا لملء الفراغ فقط! وجدت أنني -بعد الافتتاح الأخير- أنهج نهجا مختلفا بعض الشيء لذا قررت أن أكتب تعريفا موجزا عن نفسي واهتماماتي (كما أحب الآخرين أن يفعلوا)، لكن جملة صغيرة من التعريف ربما لم تعجب الكثيرين (حسب بعض التعليقات والاتصالات الشخصية):
مضى من عمري حتى الآن 24 عاما أظن أنني راض عن ما قدمته فيها
حسنا، الرضى كما جاء في لسان العرب: ضد السخط، فأنا راض أي أنني غير ساخط، وهو معنى مختلف عن القُنوع، الذي بحسب تعريف اللسان: الرضى باليسير من العَطاء. أعتقد أن الأمور أصبحت أكثر وضوحا الآن، فأنا “راض” لكنني غير “قانع” بما قدمته فيها، وبينهما تباين. ثم ما المانع من بعض التحفيز للنفس ببعض الكلمات، خصوصا مع بيئة لا ترحم وألسن تهوى الانتقاد السلبي؟ أليس المدير الناجح هو من يبدي إعجابه بعمل موظفيه لتحفيزهم على البذل والعطاء أكثر؟
ربما يكون من الجيد التعريج هنا على مقولة منتشرة بين الناس، يرددونها دون تأمل في معناها: “القناعة كنز لا يفنى”، وهي بالمناسبة حديث فيه نظر. هذه المقولة هي أحد ألد أعداء الطموح وهي من الانتشار والتسليم بمكان حيث أن أي نقاش فيها لا يمكن أن يُقبل. نعم، الرضى بمقسوم الله في الرزق والصحة والعمر هو أحد أهم أسلحة المؤمن للنجاة في هذه الحياة، لكن الله سبحانه لم يأمرنا بالركون والاستكانة، وإنما بالجد والعمل لتحصيل الرزق “فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله…” [الجمعة 10].
إن المسلم في هذا الزمان عليه حمل ثقيل باستعادة مجد الأمة الذي ضاع وأصبح الكثير من “القانعين” يذكرونه بالتمجيد تارة وبالبكاء والنوح تارة أخرى. نعم، الله هو الناصر وهو المسدد لكنه أمر موسى في ما مضى بضرب البحر رغم أن انفلاقه لم يكن بسبب الضرب بل نصرة من الله لعباده، لكنه الجهد الذي يجب أن يبذل، وإن كان قليلا. طموح المسلم يجب أن لا يتوقف عند حد إذا وسّعنا دائرة الطموح ليشمل الأمة ورفع الأذى عنها، فضلا عنه في طلب الرزق ورفع الحاجة عن نفسه وعن من يعول. القناعة هي السكون والتوقف عن طلب المزيد، وهو ما يتنافى مع سنن اصطفاء المؤمنين في الأرض وعمرانهم لها أيضا. إن المسلمين لم يعمروا الأرض لو كانوا رضوا بالمدينة ومكة، بل لقد ساروا في الأرض يفتحون الآفاق وينشرون النور على ظهر هذه البسيطة.
حسنا، أنا راض عن وظيفتي الحالية وشهادتي الجامعية التي لم يحصل عليها الكثير، راض عن ما قسمه الله لي من صحة في البدن وراحة في القلب، راض عن ما أفعله حاليا وأشعر بأنه هو الصحيح. لكنني لن أقتنع بكل هذا، بل سأطمح للمزيد والمزيد من الإنجازات الدينية والدنيوية، طالبا في كل هذا التوفيق من الله سبحانه، وموكلا إليه أمري غير متواكل.
